أواصل معكم تعقب و نبش حقبة موغلة في القدم واستنطاق آثار ومخلفات أشباه الانسان الذين أتينا على ذكر تفاصيل عن وجودهم بأفريقيا وخروجهم منها عبر موجتين رئيسيتين الأولى قادها الانسان المنتصب منذ 1.8 مليون سنة والثانية تكفل بها الانسان العاقل بداية من  194ألف سنة، في الشرق الأوسط ووصل الى الصين بداية من 125 ألف  واستوطن أستراليا منذ65 ألف  سنة أما أروبا فوصلها متأخرا منذ 47 ألف  سنة.  

 لقد استعملت في العنوان مصطلح معتقد و تجنبت توظيف كلمة دين لأن الدين أشمل من المعتقد فهو يرتكز على حكاية مقدسة تفسر الوجود و الخلق ويترتب عن هذه الحكاية المقدسة أو الأسطورة معتقدات وهي أفكار راسخة لا تقبل الشك لدى معتنقها وأخيرا يأتي الطقس لأن  الخبرة الدينية عندما تصل الى حد  من الشدة لا بد أن تترجم الى سلوك ما، وذلك من أجل إعادة التوازن إلى النفس التي غيرت التجربةُ من حالتها الاعتيادية. هذا السلوك ندعوه بـالطقس. والطقس هو مجموعة من السلوكات والأفعال التي تأتي استجابة للتجربة الدينية الداخلية، وتهدف إلى عقد صلة مع العوالم المقدسة.و نحن حتى الان لا نعرف ان كان الانسان المنتصب وحتى النياندرتال قد طور لغة تسمح له بتأليف أو تلقي حكاية مقدسة، ولا زال الفلاسفة والعلماء يتجادلون عن امكانية تكون أفكار معقدة في غياب اللغة التي تعبر عنها.   

شكلت النار أولى اشارات الرهبة والخوف والدهشة والجمال والمنفعة عندالانسان المنتصب


معتقدات الانسان المنتصب Homo erectus

النار و ظهور المقدس

استعمل الانسان المنتصب الأدوات الحجرية و أتقن استعمالها ليحصل على قوته عن طريق الصيد، أما اكتشافه للنار واستعماله لها فينطوي على الكثير من الأبعاد العملية والروحية، فالنار تمتلك قدرة عجيبة على جعله يتأمل صفاتها و آثارها و شكلها فقد كانت تحمي كهفه من الكواسر وتطهو طعامه وتدفئه .

لقد دلت الأثار أن انسان بكين و هو أحد أنواع الانسان المنتصب وجود أثار الرماد و اشعال النار في الكهوف التي كان يقطنها ويرجح العلماء وعلى رأسهم فراس السواح و خزعل الماجدي أن تكون النار أولى الأفكار التي حركت قوى أشباه الانسان الدينية، باعتبار النار جوهر مقدس لأنها تحمل نمطا خاصا يختلف عن بقية ما رآه الانسان المنتصب في عالمه. لقد شكلت النار أولى اشارات الرهبة والخوف والدهشة والجمال والمنفعة، لقد كانت النار أول مقدس احتك به الانسان المنتصب فلم يكن يلمحها أو يراها عن بعد كالشمس والقمر بل كان يقترب منها ويستعملها وكان من النادر أن تجود الطبيعة بشيء يشبهها .

معتقدات النياندرتال The Neanderthal

اصطياد النياندرتال لحيوانه المقدس 



الحيوان واصطياد المقدس

بعد أن حركت النار نوازع الانسان المنتصب الدينية باعتبارها المقدس الأول ستتفتح أحاسيس النياندرتال و مشاعره باتجاه تشكل ديني أعلى، لقد كان النياندرتال يصطاد الحيوانات لأغراض غذائية محضة أو خوف من أن يقع فريسة لها،  لكن تطور الانسان ونمو ملكاته الروحية والنفسية جعلاه يتطلع برهبة وخوف الى هذا العالم اللامتناهي.

كانت الحيوانات بين بعيدة عنه وقريبة منه، فهي بحكم وحشيتها وشراستها و أحيانا بضخامتها بعيدة عنه، فاذا اصطادها أصبحت قريبة منه ومن هذا الجدل البعد و القرب، نشأ احساس ديني ازاء الدين.

أطلق العلماء مصطلح سيد الحيوانات أو سيد الدببة Bear Master  ليشير الى عبادات منظمة لأديان النياندرتال للحيوان، فقد حفظت مغاور كهوف جبال الألب عددا من جماجم الدببة مرتبة بطريقة خاصة،  

أحيط بعضها بحجارة صغيرة وبعضها بألواح حجرية وخمس جماجم محفوظة مع عظام الساعد في جدار الكهف،   ان صيد الحيوان و أكل لحمه يحيلنا الى فكرة أن الانسان بعد أن كان يرى المقدس بعيدا عنه أصبح يرى فيه جزءا من جسمه، خصوصا اذا ارتبط الحيوان بالنار في طقوس افتراسية مشحونة بالترقب والتأمل فهو يريد السيطرة والتقرب من هذا الكائن لأنه مرتبط ببقائه واستمراره على قيد الحياة.

المدافن والقبور 

تزداد الأدلة مع الزمن على أن النياندرتال هو أول من ابتكرالمدافن وهذا دليل أخر على ظهور الدين عند هذا النوع البشري،  وان كان البعض يعزوه للوعي الاجتماعي وليس الديني فتخلصه من موتاه بطريقة شعائرية يدل على أنه يرى كرامة لأفراد جماعته لا توجد عند بقية أشكال الحياة. 

والحقيقة أن مدافن النياندرتال هي واحدة من أهم علامات تطوره الديني فدفنه لحيوانه المقدس الى جانب جثامين أفراد عشيرته مع اضافه النار لا بد أنه كان يرفق بطقوس و بأصوات وربما بتعاويذ تلقى لكن لا يمكن الجزم بذلك لأننا لا نعرف حتى الأن ان كان هذا الجنس قد طور لغة منطوقة خاصة به وان كان علماء الجينات يؤكدون توفر حمضه النووي على جينات خاصة باللغة.   

كما وجدت قبور بها حفر مليئة بالرماد و أخرى دفن قربها فأس وهده علامات توحي باعتقاده باستمرار حياته بعد الموت وضمان مكانته من قبل هذه المقدسات. 

كما وجد الباحثون في ايطاليا جماجم كسرت قاعدتها، وهي تشير بوضوح الى عادة أكل أدمغة الموتى لأن النياندرتال اعتقد بأن الروح مقرها الرأس و أنه اذا ما تناول دماغ الميت فان هذه الروح أو القوة ستنتقل اليه.

كما تم اكتشاف مدافن النياندرتال بموقع شنايدر العراقي التي عثر فيها على رفاة رجل مسن وسط الزهور والبذور لأنواع نباتية مختلفة كالأوفيليا والبابونج والزنبق .... قدر عددها ب 12 نوعا. ودفن الميت وسط الزهور والنباتات الكثيرة يوحي بطقس ذو طبيعة علاجية و دوائية واضحة فربها ظن صاحب الطقس أنها توفر علاجات ناجعة بعد الموت خصوصا أن الجثة كانت تعود لمريض مسن. 

من هنا نخلص بأن أشباه الانسان بداية من الانسان المنتصب الذي لا يتعدى حجم جمجمته cm3 850 أي أقل من الانسان الحديث ب 600 cm3 تقريبا استطاع أن يطور حسا اعتقاديا بفكرة المقدس بعد احتكاكه بالنار وتنامى هذا الحس الديني و أصبح أكثر تعقيدا مع ظهور النياندرتال الذي فاق الانسان الحديث من حيث سعة الجمجمة والتي بلغت في المتوسط 1600 cm3 أي أكبر نسبيا ب 200 cm3 لكن شكل حمجمته المفلطح بفعل عضلات فكه القوي ضغط  على منطقة بروكا في دماغه وجعلها أصغر و هي منطقة تقع في الفص الأمامي في أحد جانبي المخ وغالبا ما تكون في الجانب الأيسر من الدماغ البشري، ووظائف هذه المنطقة مرتبطة بإنتاج الكلام. مما يرجح عدم امكانه تطوير لغة معقدة كالتي لدى الانسان العاقل لكن رغم دلك تمكن من ابداع طقوس بعد أن تفاعل مع حيوانه المقدس الذي أثار في نفسه الرهبة والخوف و الرغبة في التقرب منه والسيطرة عليه،  كما طور الشعائر الجنائزية وحاول كشف مكان الروح أو الطاقة المحركة وربما اعتقد بحياة بعد الموت واستعد لها. 

المصادر:

كتاب دين الانسان لفراس السواح

كتاب  أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ لخزعل الماجدي


الحلقات السابقة:

بداية الكون ونشأة المادة وتكون المجرات / الحلقة الأولى

تكون المجموعة الشمسية واستعداد الأرض لاستقبال الحياة / الحلقة الثانية

كيف بدأت الحياة؟ ما قصة الكائن الأول لوكا luca؟ / الحلقة الثالثة

الأرض من 3.5 مليار سنة الى 650 مليون سنة من الان ؟ / الحلقة الرابعة

الانفجار الكمبري Explosion cambrienne / الحلقة الخامسة

انقراض العصر البورمي Permian extinction/ الحلقة السادسة

عصر الديناصورات Dinosaurs age / الحلقة السابعة

القردة العليا و أشباه الانسان/ الحلقة الثامنة.

خروج جنس الهومو Homo من افريقيا/ الحلقة التاسعة

 


1 تعليقات

إرسال تعليق

أحدث أقدم