بداية الكون ونشأة المادة وتكون المجرات

لقد كانت قبة السماء ولا تزال تأسر الألباب، وترغم العقل على  محاولة فك غموضها وفك شيفرتها، وتدفعنا للتساؤل هل الكون كان دائما موجود؟ أم  أن له بداية ؟ وهل ستكون له نهاية  ؟ هل للكون حجم معين مهما كانت ضخامته؟ أم أنه لا نهائي؟ كيف تشكلت المادة ؟ كيف تكونت النجوم والمجرات؟

من الكون الثابت السرمدي الى الكون المحدث المتوسع

نظرية الانفجار العظيم

لحظة الانفجار العظيم
لحظة الانفجار العظيم


افتتح الإجابة عن هذه الأسئلة بنظرية الفيلسوف اليوناني بارامنيدس، الذي قال "ليس هناك شيء يأتي من العدم وبالتالي فإن الوجود أبدي" و ملخص نظرية بارامنيدس حول الوجود والكون، أن العدم غير قادر على إنتاج مالا يملكه وهو الوجود، وبالتالي ما كان موجود فهو دائما موجود، وما التغيرات التي نراها من حولنا ماهي الا خداع تمارسه علينا الحواس. وبذلك فإن الوجود بأكمله أزلي ليس له بداية وأبدي ليس له نهاية، وبتعبير أخر الكون سرمدي، متماثل، وثابت.

بقيت نظرية برمنيدس رائجة في الأوساط العلمية، حتى انشتاين الذي أخبرته معادلاته أن الكون في توسع مستمر، فلم يصدقها وابتكر الثابت الكوني حتى تتفق معادلاته مع مفهوم الكون الثابت والساكن غير متمدد، لكنه تراجع عن خطئه سنة 1931 عندما اكتشف هابل بعد مراقبة دقيقة للمجرات أنها تتباعد عن بعضها البعض، وأن هذا التوسع ليس عشوائيا، بل يتبع نمطا ثابتا فكلما كانت المجرات أكثر بعدا عنا زادت من سرعة ابتعادها عنا، وبهذا أثبت أن الكون يتمدد مع الوقت بقيمة ثابتة، وصحح صورة الكون الساكن المستقر.

فإذا عدنا بسهم الزمن إلى الماضي ستبدأ المجرات تقترب من بعضها البعض شيء فشيء حتى تتجمع في النهاية في نقطة واحدة تسمى المتفردة والتي سأرجع لها لاحقا لتفسير طبيعتها.

الدليل الثاني، هو الصدى الذي خلفه الانفجار العظيم الذي لا زال يتردد في كل أنحاء الكون حتى يومنا هذا والذي اكتشفاه عالما الاتصالات بنزياس وويلسن بالصدفة، وهما يختبران هوائي يكشف عن الموجات الراديوية فلاحظا تشويشا يأتي من جميع أنحاء الكون وبنفس الشدة، ونالا على هذا الاكتشاف جائزة نوبل سنة 1978 وسمي هذا الاشعاع الكهرومغناطيسي بالخلفية الإشعاعية للكون، هذا الإشعاع الأحفوري ما هو إلا بقايا الضوء الأول الصادر بعد 380 ألف سنة من الانفجار الكبير، لأنه قبل ذلك لم يكن بمقدور فوتونات الضوء أن تنفذ من كثافة الكون الجنيني. هناك أدلة أخرى تدعم النظرية  كالموت الحراري، ونسب الهيدرجين والهيليوم في الكون لا يتسع المجال لذكرها كلها.

المتفردة  singularity 

المتفردة هي حالة فريدة من نوعها، ولتستوعب عزيزي القارئ مدلول هذه العبارة، تخيل معي أن كل مادة الكون وطاقته والمكان والزمان كانت مركوزه في نقطة واحدة، لا نهائية الكثافة، لا نهائية الكتلة، لا نهائية الحرارة، بشكل لا يتصوره عقل، تنهار عندها كل القوانين الفيزيائية، هذه المتفردة موجودة ضمن طول بلانك، ولكي تستوعب ضالة هذا المقياس يجب أن تعلم أن طول البروتون يبلغ حوالي 100 مليون من طول بلانك.

من الكوارك Quarks الى الهيدروجين 

الصورة النمطية التي نعرفها عن الذرات أنها مكونة بروتونات موجبة الشحنة، ونوترونات محايدة الشحنة في المركز، والكترونات سالبة تدور حولها. لكن التقسيم لا يتوقف عند هذا الحد لأن البروتونات والنوترونات يمكن تقسيمها لعناصر أصغر تسمى الكواركات، التي يمكن أن نعتبرها أصغر لبنات المادة حتى الآن فمثلا البروتون مكون من ثلاث كواركات.

البروتون مكون من ثلاث كواركات
 بعد أن تعرفنا على بعض الجسيمات الأولية نرجع للحظة الانفجار العظيم، وطبقا للمشاهدات العملية يبدو أن الكون بدأ التكون منذ 13.7 مليار سنة في لحظة يمكن أن نسميها بداية الوجود أو الخلق ففي أجزاء من المليار من الثانية (نانو ثانية) من الإنفجار العظيم، اتسع الكون بشكل مهول وتحولت المتفردة الى حساء بدائي على شكل بلازما فائقة الحرارة والكثافة من الجسيمات الأساسية (كواركات والكلونات والالكترونات) وبدأ الكون يتمدد ويتسع فبدأت بالتالي درجة حرارة البلازما في الانخفاض، فالتحمت الكواركات مكونة البروتونات والنوترونات وتسمى هذه المرحلة بتكون الأنوية.

 وخلال الفترة الزمنية بعد الإنفجار العظيم من 100 إلى 300 ثانية بدأ الهيدروجين في التكون لأنه مركب من بروتون واحد فقط وإلكترون واحد و يعتبر الهيدروجين العنصر الوحيد بدون نيوترون لذا فهو أبسط عناصر الكون، وهذا يفسر سبب وفرته في الكون. ثم تكون نظير الهيدروجين والذي يعرف بالديوتيريوم ويحتوي على بروترون واحد ونيوترون واحد، وآخر يعرف باسم التريتيوم وله بروتون واحد واثنين من النيوترونات. ثم اندمجت ذرات الهيدروجين تحت تأثير الحرارة والضغط مكونة الهيليوم وهو ثاني أكثر العناصر شيوعا في الكون.
 حتى الآن الكون هو عبارة عن غازات 75 في المئة هيدروجين و23 في المئة من هيليوم والباقي غازات أثقل.

تكون النجوم الأولى

صورة WMAP  الميكروية للكون الجنيني بعد 380 الف سنة فقط من الانفجار الكبير
صورة WMAP  الميكروية للكون الجنيني بعد 380 الف سنة فقط من الانفجار الكبير

المسبار الفضائي الميكروي (WMAP) أعطانا فكرة عم ماذا حصل عندما امتزجت هذه السحب الكثيفة من الهيدروجين والهيليوم بالنسب التي ذكرتها سابقا، مشكلة فروقات صغيرة في درجات الحرارة، تقدر بواحد من مليون الدرجة.

مع الوقت، بدأت الجاذبية بانتزاع المادة من مواقع ذات كثافة منخفضة إلى مواقع ذات كثافة عالية، مما أدى إلى كتل أكبر بكثير، وتحت تأثير الحرارة والضغط تتحول الذرات إلى أيونات وإلكترونات حرة في الحرارة العالية؛ وتسمى تلك الحالة البلازما. وتظل كرة البلازما تنكمش تحت فعل جاذبيتها وتتزايد حرارتها حتى تكون كافية لبدء تفاعل عنصر الهيدروجين المتأين لتكوين عنصر الهيليوم. هذا التفاعل يسمى اندماج نووي، وتنتج منه طاقة كبيرة جدا، فيبدأ النجم يضيء. وحينئذ يصبح نجما وتكون هذه هي ولادته، تحدث تلك الولادة عندما تصل درجة حرارة قلب النجم نحو 12 مليون درجة حرارية حيث يبدأ تفاعل الاندماج النووي. مكونة جيل النجوم الأولى.

تكون العناصر الكيميائية الأخرى

بعد أن تكونت النجوم العملاقة مكونة الجيل الأول استمرت في عملية الاندماج النووي محولة الهيدروجين الى هيليوم ثم ينفس الطريقة تدمج ذرات الهيليوم لتكون  ذرات أثقل كالكاربون والـأكسجين ويستمر النجم في تخليق باقي العناصر الكيميائية حتى ينتج الحديد الذي  يتسم بضعف إنتاجه للطاقة اللازمة لعملية الاندماج النووي فيمر النجم بمرحلة توقف التفاعلات النووية في قلبه ويبدأ في التقلص، عندئذ تنهار الطبقات العليا للنجم على القلب بشدة، فتتوقف العملية بالكامل وينفجر النجم الملقب بالمستعر الأعظم Supernova لتنتثر أشلاؤه في أرجاء الكون الوليد ناشرا كل العناصر الكيميائية التي كونها طيلة حياته. كما تأكد العلماء حديثا  أثناء رصدهم لموجات الجاذبية أن تصادم النجوم النوترونية يمكن أن ينتج عنها عناصر أثقل كالذهب والبلاتين واليورانيوم من هنا نخلص أن كل العناصر الكيميائية التي تكون أجسادنا والعالم من حولنا قد تخلقت في جوف النجوم.

الجدول الذري لماندليف
الجدول الذري لماندليف

 ولا يفوتني أن أذكر أن موت النجوم لا ينتهي دائما بمستعر أعظم بل هناك نهايات أخرى تنتظر النجوم وبصورة عامة كلما زاد حجم النجم تصبح حياته أقصر. تقول ناسا أن النجوم الأولى كانت أضخم ب 30 إلى 300 مرة من شمسنا، وكانت ذات توهج أكبر بملايين المرات.
أما النجوم الصغيرة فتعيش لمليارات السنين، عكس كبيرة الحجم التي سرعان ما تمر بالكثير من الاضطرابات، وتبدأ المرحلة المتأخرة من حياة النجم عندما يستنزف كل ما في داخله من غاز الهيدروجين، وبالتالي يفقد الوقود الذي يمكنه من إنتاج الطاقة، وتتوقف التفاعلات النووية في داخله. وتمر النجوم بالعديد من الأطوار غير المستقرة بعد ذلك، تبعا لحجمها وطبيعتها، ومن ثم تنتهي حياتها بالعديد من الطرق، فقد تتحول إلى نجومٍ نيوترونية شديدة الكثافة تدور بسرعات خرافية تصل الى 30 دورة في الثانية، أو تنفجر بشكل عنيف جدا كما رأينا مع المستعر الأعظم، أو تتحول إلى ثقوبٍ سوداء.

ميلاد الثقوب السوداء

قلنا أن للنجوم نهايات مختلفة حسب كثافتها وكتلتها، فالتي تزيد كتلتها ب 25 ضعفا من كتلة الشمس، يمكن أن تتحول لثقوب سوداء، حيث ستبقى هذه النوعية من النجوم طيلة حياتها في  توازن بين القوة النابذة الناتجة عن الاندماج النووي، والتي تدفع بمادة النجم بعيدا عنه، وبين قوة التجاذب بين العناصر والذرات التي تكون مادة النجم، والتي تجذب المادة نحو مركز النجم، فيحافظ النجم على كتلته بشكل متماسك، حتى إذا نفدت طاقة النجم، تتغلب قوة الجاذبية على قوة الطاقة، فتنكفئ مادة النجم إلى مركزه، وتنضغط انضغاطا شديدا بسبب كثافتها وقوة التجاذب بينها، وتشكل ثقبا أسود، وذلك بعد أن يحدث انفجار هائل، بسبب التدافع الهائل الذي يحدث بين المادة الموجودة في مركز النجم نتيجة انضغاطه. هذه  الكتل الهائلة المضغوطة من المادة، ستتحول الى ثقب أسود قبضة من مادته تعادل عشرة أضعاف وزن الأرض وهذا المجال لا يسمح لأي شيء أن يفلت من حقل جاذبيته، مهما كان حجمه، ومهما كانت سرعته، حتى الضوء سواء كان كبيرا بحجم نجم أو كوكب، أو صغيرا بحجم ذرة، لأن العلماء يقولون إن شرط خروج أي شيء من الثقب الأسود أن تكون سرعته أكبر من سرعة الضوء، وهذا مستحيل من الناحية الفيزيائية. هذه الوحوش السابحة في الفضاء أبعادها تتفاوت بشدة، وغالبا لا يزيد قطرها عند نشأتها عن بضعة كيلومترات، ولكنها تتضخم وتكبر مع الزمن كلما ابتلعت المزيد من الأجرام، وقد تصل إلى أحجام عملاقة جداً.

نقترح عليكم: قصة الكون من الثواني الأولى حتى الآن

ثقب أسود يتوسط مجرة
ثقب أسود يتوسط مجرة

تكون المجرات

شعاع الخلفية الميكروية للكون الذي تحدثنا عنه سابقا مكننا من رؤية بقايا الضوء الأول الصادر بعد 380 الف سنة من الانفجار الكبير مما يعني أننا نلتقط صورا للكون فقط حينما كان عمره 0.03% من الآن هذا الإشعاع الذي يمكن أن يعطينا خريطة توضح لنا توزيع المادة والطاقة في الكون في لحظات مبكرة جدا من بدايته، وتم ترجيح احتمالان أساسيان يشرحان تكون المجرات الأولى، فإما أن المجرات تكونت مرة واحدة من الغازات والغبار، أو أنها تجمعت في البداية بأحجام وكتل شبيهة بالتجمعات العنقودية Globular Clusters ثم تجمعت تلك الكتل فصنعت المجرات، لكن الفلكيين يميلون إلى فرضية الثقوب السوداء التي تسحب النجوم التي تدور في حقل جاذبيتها دون أن تكون قادرة على ابتلاعها فتبقى مرتبطة بالثقب الأسود و الدليل على ذلك أن جل المجرات يتوسطها ثقب عملاق فمثلا مجرتنا درب اللبانة، يتوسطها ثقب أسود عملاق المعروف باسم  SAGITTARIUS A يقدر بما يعادل حوالى أربعة ملايين من شمسنا و يبعد عنا حوالي 26000 سنة ضوئية فقط من الأرض.  
بعد ذلك، اتخذت المجرات أشكالها التي نعرفها اليوم، كالمجرات الحلزونية والإهليلجية (البيضاوية).
أكتفي بهذا القدر في انتظار الحلقة الثانية التي سأخصصها لتكون المجموعة الشمسية و تشكل الأرض.

نقترح عليكم: ما سبب زرقة السماء؟

 المراجع:
تاريخ موجز للزمان لستيفن هوكينغ
الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون لستيفن وينبرغ

التعاليق

أحدث أقدم