نبه النقاش العام الذي واكب إعداد وصياغة الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالمغرب، وعلى إثره الكتاب الأبيض، إلى إشكالية مهمة لا تزال بعض آثارها تعيق تحسين أداء مختلف الفاعلين التربويين داخل الفصل. لقد كان الاهتمام تقريبا، منصبا على إصلاح خارج-فصلي يمكن الاصطلاح عليه بإصلاح الهوامش التربوية (اهتمام بالبنايات، بالتسيير الإداري، بالتشريع، بهيكلة المصالح المختلفة...) الذي رغم أهميته الاستراتيجية والتربوية، فإنه افتقد لامتدادات سلسة داخل الفصل، الذي أضحى الغائب الأكبر؛ مما جعل أكثر جوانب الإصلاح، خلال عشرية التربية والتكوين، تتوقف أمام باب القسم.

ولتجاوز هذه المآخذ ، تغير ترتيب الأولويات، وأصبح المنظور الذي يجعل من الفصل مركزا لكل إصلاح، وأساسا لكل تجويد للعمليات التربوية، يكتسب شرعية أكبر، ويفرض حضورا أقوى، وذلك بإعادة الاعتبار لكل ما هو تربوي / بيداغوجي / تعليمي / ديداكتيكي ... لينتقل منطق الإصلاح بعد ذلك إلى ما هو جهوي ثم ما هو وطني.

العلاقات التربوية
العلاقات التربوية

ومن نافلة القول إن دراسة العلاقات داخل الفصل تحتم استحضار المكونات الثلاثة المباشرة لـ المثلث البيداغوجي وللعناصر المتدخلة الأخرى حسب خصوصياتها التشريعية والتدبيرية، وما ينتج عنه من شبكة تأثيرات متبادلة وتفاعلات متشبعة، علما أن الفصل بين هذه العلاقات، وكما سيتبين لاحقا تمليه فقط الضرورة المنهجية. وبمعادلة بسيطة، يمكن أن نستخرج العلاقات التالية:

  1. مدرس - تلاميذ.
  2. تلميذ - تلميذ.
  3. مدرس - معارف/مضامين/مناهج.
  4. تلميذ - معارف/مضامين/مناهج.
وتفرز العلاقتان الأولتان علاقات تربوية وبيداغوجية، في حين تفرز الثالثة والرابعة استراتيجيات التعليم والتعلم بشكل عام وما يتصل بهما. ولأسباب منهجية وإكراهات موضوعية، سنركز في هذا الموضوع على العلاقات بين المدرس والتلاميذ، وعلاقات هؤلاء فيما بينهم.
يستوجب الاهتمام بالعلاقات الفعلية الاشتغال على مستويين متداخلين وغير قابلين للتفريق: مستوى تربوي يتجلى في العوامل النفسية والثقافية والاجتماعية المؤثرة في العلاقات داخل الفصل الدراسي؛ ومستوى بيداغوجي يتجلى في تأثير الاختيارات المعرفية المضامينية للمدرس في علاقاته مع تلاميذه.

علاقة المدرس بالتلاميذ

تتخذ هذه العلاقات عدة أشكال يمكن في بعض الأحيان رصد كل جوانبها وكل تجلياتها في فصل واحد. ويلاحظ في بعض الفصول سيادة علاقات تربوية جيدة، تساهم في نشأتها عدة عوامل ذاتية مرتبطة بمدى انخراط المدرس وتلاميذه، وبعوامل موضوعية مرتبطة بسياق عام مساعد. وسنركز على العلاقات السلبية لطابعها الأولوي ولحاجتها الماسة لتحليل يفضي إلى اقتراح بعض الحلول العملية. وقد تكون:

أ- علاقة سلطوية وضد - سلطوية

تعتمد هذه العلاقة في نظر بعض المدرسين على مفاهيم تنتمي إلى ما يصطلح عليه بالبيداغوجيات التقليدية، التي تمتح من فلسفات تعتبر الطفل كائنا ناقصا وشريرا يجب من أجل تنشئته وأنسنته، ترويضه ومعاملته بطريقة الرئيس / المرؤوس والسيد / العبد... ورغم شيوع مصطلحات تتبنى أحدث ما وصل إليه البحث العلمي السيكوتربوي، فإن الممارسة اليومية تكرس السلطوية كممارسة ميدانية تستمد شرعيتها في غالب الأحيان من الوضعية النظامية والاعتبارية للمدرس بصفته راشدا وموظفا ومالكا للمعرفة.
إلا أنه يلاحظ في السنوات القليلة الماضية، بروز مواقف مواجهة لسلطة المدرس من لدن التلاميذ الذين استغلوا الهامش الحقوقي المتسع والحرية والاهتمام المتزايدين بهم. وكلا الموقفين مبني على استغلال غير مفيد لهذه النظرية أو تلك، ولهذا المنهج أو ذاك.

ب- علاقة معرفية

تعكس انتصار الديداكتيكي على العلائقي وسيادة المعرفي على السيكولوجي. فالعلاقة داخل الفصل من هذه الزاوية، هي علاقة تلقين معارف وشحن عقول بطريقة أحادية وعمودية تجعل من المدرس مقدما للمعارف، ومن التلميذ متلقيا سلبيا.

ج- علاقة وظيفية

وتخص التمثلات التي يبرمجها المدرس والتلميذ. فالمدرس مقتنع، في ظل غياب دور الأسرة والمجتمع، بأن مهمته ووظيفته الأساسيتين هي التدريس وتلقين المحتويات، وبأنه ليس مجبرا على قبول أعباء إضافية تكلفه المزيد من الوقت والجهد للتربية والتنشئة والتكوين. ومن جهة أخرى، ينحصر دور التلميذ في التلقي والاستجابة لأوامر ونواهي مدرسه.
ولا يستطيع أغلبهما الانخراط في الأنشطة الموازية الداعمة للتربية والتكوين والتثقيف والإبداع لأسباب مرتبطة ببنيات الاستقبال.

د- علاقة عمودية 

وتستمد أصولها من طرق التدريس التقليدية حيث التراتبية المبنية على مبدأ توازن القوى، وعلى متغيرات غير تربوية (كالفارق العمري، والمكانة الاعتبارية للوظيفة، والإكراهات التشريعية والمدرسية، وثقل التمثلات السوسيوثقافية)، وتجعل من المدرس تارة، ومن مادة التدريس تارة أخرى، محور العملية التعليمية. ويتخذ خط العملية التربوية اتجاها واحدا يفرز علاقات عمودية لا تسمح بـ التواصل والتفاعل من المدرس إلى التلميذ.  

علاقة تلميذ - تلميذ

بالنسبة لهذه النقطة فقد سبق التطرق إليها بالتفصيل في موضوع مستقل على مدونة محيط المعرفة ولا داعي لتكرارها مرة أخرى ويمكنكم الاطلاع عليها عبر الرابط أسفله:
وبهذا نكون قد أنهينا موضوعنا هذا ونضرب لكم موعدا مع موضوع جديد على مدونتكم الثقافية محيط المعرفة.

المرجع: دفاتر التربية والتكوين العدد الأول بتصرف.

التعاليق

أحدث أقدم