دور البحث العلمي التربوي في تطوير العملية التعليمية


نجدد الترحاب بمتابعي مدونة محيط المعرفة.
موضوع اليوم بمشيئة الله سنخصصه للحديث عن دور البحث العلمي التربوي في تطوير العملية التعليمية.


البحث العلمي التربوي
البحث العلمي التربوي

مفهوم البحث العلمي

البحث العلمي أو البحث بالطريقة العلمية هو سلوك إنساني منظم ومقصود يستهدف استقصاء حقيقة أو توضيح موقف أو ظاهرة أو التفتيش عن حل ناجع لمشكلة ما. والبحث العلمي في كل هذه الأحوال هو أداة لنمو الإدراك وكشف الجديد أو اختراعه. 
إن البحث العلمي بهذا المعنى عملية موجهة لتحديث أو تعديل أو زيادة المعرفة الإنسانية، ومل يتوصل إليه البحث العلمي من نتائج جديدة هي المؤشر المباشر والمحسوس لتطور المعرفة الإنسانية. وانطلاقا من ذلك كله يمكن أن نقول:
إن التحديث والحداثة ثمرة من ثمرات البحث العلمي. وذلك على اعتبار أن البحث العلمي يؤدي إلى تغير في ما نعرفه عن الحقيقة فنغير طرقنا الخاصة في العمل بمقتضى هذه الحقيقة.

التحديث

الحديث أو الحداثة - لغة - هو نقيض القديم ويرادفه الجديد، ويطلق على الصفات التي تتضمن معنى المدح أو الذم. فالحديث الذي يتضمن معنى المدح صفة للشخص المتفتح الذهن، المحيط بما انتهى إليه العلم من الحقائق، والمدرك لما يوافق روح العصر من الطرق والآراء والمذاهب، أما الحديث الذي يتضمن معنى الذم فصفة للشخص القليل الخبرة، السريع التأثر، المقبل على الأغراض التافهة دون الجواهر العميقة، المعرض عن القديم لمجرد قدمه لا لفساده. ومعنى أن التحديث ليس خيرا كله، كما أن القديم ليس شرا كله.

ويبدو أن المواجهة بين الحديث والقديم تجتذب لفظا آخر أقل دلالة هو كلمة (موضة)، وهذا أدى إلى النظر إلى كل ما هو جديد على أنه بدعة من القول والعمل والملبس، ومن هنا مقاومة الحداثة والتحديث والتشبت بالمألوف والماضي، وذم التغيير والتطور باعتبارهما بدعة.

هناك مواجهة أخرى تتبين في النظر إلى الأشياء المصنوعة أو المبتدعة على أنها نقيض للأشياء الطبيعية. وتكملة لهذه النظرة الأخيرة هناك من يعتبر الحداثة أو التحديث تحررا، فيكون التحديث هو عكس الخضوع المطلق للعادات والتقاليد القديمة المرتبطة بمجموع مبادئ الأسلاف. وهذا التقابل يحيل إلى مواجهة أخرى بين المدينة والبادية. 
وهكذا يبدو أن المتجدد، والمصنوع، والمتحرر تكون في ارتباطها بالتقليدي، والطبيعي والثابت، متناقضات جدلية تؤدي إلى استمرارية التحديث الذي يصحبه استمرار التقدم بدون توقف أي استمرار دائم لعملية الخروج عن المألوف.

هذا، ولما كانت عملية التنشئة الإنسانية هي وسيلة المجتمع لإدماج أعضائه والرفع من مستوى أحوالهم، كان من اللازم إقامتها على عمليات تعليمية تعلمية مدروسة، ومن أجل ذلك كان لا بد أن يكون القائمون على التعليم متفتحين إلى أبعد الحدود على نتائج البحث العلمي عموما، والبحوث العلمية في المجال التربوي بالخصوص، وذلك حتى يمكن للمدرسة أن تؤدي دورها التحديثي على أحسن وجه. ولمعرفة آثار البحوث التربوية على العملية التعليمية التعلمية لا بد من تصنيف البحوث التربوية رغم ما يتسم به التصنيف من اغراق في تبسيط الحقيقة.

تصنيف البحوث التربوية

هناك محاولات عديدة لتصنيف البحوث التربوية، نستدعي منها اثنين:

الأولى: تبني التصنيف على مرامي وأهداف البحوث

ويسفر جهدها على ما يلي:
  1. بحوث علمية نظرية: تهدف إلى التوصل إلى معلومات جديدة عن الظواهر التعليمية.
  2. بحوث تخطيطية: تهدف إلى تشخيص مسار التعليم وتقويم النظم التعليمية، كما تهدف إلى وضع خطط وبرامج التعليم.
  3. بحوث وسيطة: هدفها إدخال التغيير في محتويات التعليم وطرقه وتقنياته.
  4. بحوث العمل: وهدفها تغيير العملية التعليمية عن طريق تغيير في سلوك الممارس لمهنة التعليم، فتكون نتيجة الإنجاز (إنجاز الدرس) مردودية أوفر وبأقل كلفة ممكنة في الجهد والوقت.
لهذه الأنواع من البحوث آثارا إما مباشرة أو غير مباشرة في تحديث التعليم والتعلم عموما وفي تطوير العملية التعلمية على الخصوص. فتحديث التعليم يتوقف على عدة أمور منها: 
تعديل السياسة التعليمية وتغيير الأوضاع الاجتماعية، ونشاط المدرسين، وتغيير التشريعات المدرسية، وفي كل هذه الأحوال والظروف لا يسهم البحث التربوي بما ينطوي عليه من تحديث إلا في جوانب محدودة في عملية تغيير التعليم. بل الملاحظ أن العملية التعليمية هي أكثر عرضة للتحديث والحداثة بفضل نشاط المدرسين الذي تؤشر عليه تلك التعديلات اليسيرة التي يدخلها المدرسون يوميا على سلوكهم المهني وفي حجرة الدراسة، وكل تلك التعديلات هي نتيجة أعمال غير مبنية ولا مسنودة على أسس علمية قوية، ويصعب أن نجد لها صلة بالبحث العلمي التربوي بمعناه التقليدي. 
بعبارة أخرى نقول إنه من السذاجة الاعتقاد بأن تطوير العملية التعليمية هو دائما نتيجة للبحث التربوي.

وهكذا يتبين أنه من قبيل الاغراق في تبسيط الحقيقة القول:
إن نتائج البحث العلمي كفيلة وحدها بجعل المعنيين بها يقتنعون بها فيطبقونها. وهو قول يتعارض مع المفهوم التقليدي للبحث، والذي يفرق أصحابه بين إنتاج المعلومات الجديدة وتطبيقها كما يفعل صانعو القرار الممارسون. فهذا الموقف التقليدي لا يفهم التحديث (استخدام طرق جديدة، ونسج علاقات جديدة) على أنه عملية تنتج دائما عن البحث (إنتاج معلومات جديدة).

إن الاقتناع بأن البحث التربوي يقدم خطة لتطوير العملية التعليمية ينطوي على التسليم بأن البحث التربوي نفسه يتسم بالحداثة والجدة، ولكن البحث ليس تحديثا كله، ولا تحديثا دائما، ولإدراك أثر البحث التربوي في تحديث الممارسة التربوية / التعليمية لا بد من اعتبار ذات الباحث أي موقفه أو رأيه، ومن هنا يأتي التصنيف الثاني للبحوث التربوية.

الثانية: تبني التصنيف على أساس الأسباب الدافعة إلى إجرائها

  1. بحوث رجعية: تؤكد أن النظم التعليمية الماضية كانت أحسن من النظم التعليمية القائمة، فهي إذن تعبر عن رغبة في استحضار الماضي.
  2. بحوث محافظة: الرضى التام عن النظام التعليمي القائم وتبريره.
  3. بحوث استنكارية: تنتقد النظم الحالية مما يؤدي إلى تشخيص مشكلاتها دون اقتراح التبديل.
  4. بحوث مستقبلية: تعبر عن رغبة في البحث عن نماذج جديدة للنظم التعليمية في المستقبل.
  5. بحوث خلاقة: تقترح خلق نظم تعليمية بديلة، مع اقتراح سبل إقامتها وتطويرها.
وفي كل هذه الحالات يمكن الاعتماد على البحث التربوي العلمي لإدخال بعض التغيير في العملية التعليمية. والتحديث المرغوب هنا يتوقف على اهتمامات ورغبات الذوات التي ترجو فائدة. ومن هذا المنظور يعد حياد البحث العلمي حديث خرافة أو على الأقل مثلا أعلى يصعب تحقيقه.

وفيما يخصنا يبدو أن تطوير العملية التعليمية يتوقف بالأساس على نوعين من البحوث:
البحوث الوسيطة وبحوث العمل، الأولى تدعو إلى تغيير المحتوى والطرق والتقنيات، إلا أن التغييرات المقترحة يجب أن يتبناها المدرسون وأن تدعمها وسائل أخرى إضافية من وسائل التغيير (القوانين، المقررات، البرامج).
والثانية ونقصد بحوث العمل، وهذه لا تحدث أثرا على العملية التعليمية إلا إذا اعتمدت كوسيلة لتكوين المدرسين، فيكون دورها في التحديث هو سد الفجوة بين الباحث الأخصائي والممارس، وجعل أهداف التكوين التربوي تنحصر في جعل الطالب / المدرس يطور الاختصاص، الذي تعمق فيه بالكلية، لتوظيفه في مهمة معينة هي وظيفة التدريس.

إن عناصر التحديث المختلفة في أي بحث تربوي يمكن تحديدها وبيان كيفية ظهورها كما يلي:
  1. أهم ما يكون التحديث في بحوث العمل والبحوث الوسيطة.
  2. البحوث العلمية تنتج تحديثا في محتوى التعليم وليس لها تأثيرا كبيرا في النظم والسياسات والإجراءات التعليمية.
  3. البحوث التخطيطية ذات أثر تحديثي قوي في السياسة والإدارة التعليمية ولكنها لا تؤثر على سلوك الممارسين للتعليم.
  4. البحوث الوسيطة تؤثر في الوسائل والأدوات والإجراءات التعليمية. وبحوث العمل تساعد على تغيير السلوك.
ويمكن القول بوجه عام:
إن البحوث التربوية على اختلاف أنواعها يكمل بعضها بعضا لأنها تؤثر في الأنشطة التعليمية بصور مختلفة ودرجات مختلفة. وإن الأثر الرئيسي لقوة هذه البحوث التحديثية هو أثرها في الممارسة التعليمية.

المرجع: مجلة آفاق تربوية
العدد 11/ 1996.


مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق