التواصل والتواصل البيداغوجي ملف شامل


نجدد ترحيبنا بكل متابعي مدونة محيط المعرفة.
موضوع اليوم سنخصصه لموضوع التواصل والتواصل البيداغوجي.

(لاحياة دون تواصل) إنها حقيقة تبرز الأهمية البالغة للتواصل بين كل الكائنات الحية، حقيقة أكدتها تجارب عدة كتلك التي أجريت على أطفال رضع لم يستطيعوا البقاء بعد عزلهم عن العالم الخارجي رغم إمدادهم بكل الوسائل الأخرى والضرورية للحياة... من هنا يأتي الاهتمام بظاهرة التواصل بصفة عامة وبالتواصل داخل الفصل الدراسي بصفة خاصة.

التواصل
التواصل

نحو تعريف للتواصل والتواصل البيداغوجي

التواصل

في البداية، لابد من الإشارة إلى أنه من الصعب إعطاء تعريف شامل، مقنع دقيق لمفهوم التواصل وذلك لتعدد الدارسين الذين تناولوا هذا الموضوع وكذا تشعب الميادين التي تنسحب عليها هذه الدراسة، لكن هذا لا يمنع دون أن نعطي بعض التعريفات بهدف استخراج تحديد إجرائي للتواصل وتوظيفه في مجال التربية والتعليم أو ما يطلق عليه بالتواصل البيداغوجي.
  • بمعجم اللسانيات لـ j.dubois نجد هذا التعريف: (التواصل هو التبادل الشفوي بين منتج لخطاب يوجهه لشخص / مستمع ينتظر منه الإصغاء والاستجابة الصريحة أو الضمنية).
  • بمعجم التواصل لمولس دونويل نجد: (التواصل هو التأثير في شخص يتواجد بالنقطة 'أ' وفي لحظة معينة، قصد مشاركته في التجارب التي تنبع من محيط شخص آخر يتواجد في نقطة 'ب' وذلك باستعمال عناصر معرفية مشتركة فيما بينهما).
كما يمكن أن نورد بعض النماذج التواصلية والتي وظفت في مجال السيبرنتيكا:

   - نموذج لاسويل:
نموذج لاسويل
نموذج لاسويل


التواصل في هذا النموذج خطي وذلك أن رسالة معينة انتقلت من مرسل إلى مستقبل عبر قناة تواصلية.

   - نموذج وينير WIENNER:
نموذج وينير
نموذج وينير


يأتي وينير، مستفيدا من أعمال لاسويل ليضيف للنموذج الأول عملية الفيدباك وهي عملية لضبط تلقي الرسالة.
أما في البعد الاجتماعي فالتواصل يعني تعميم علامة أو رمز أو شيء ما وجعله مشتركا بين مجموعة من الأفراد وبالتالي فالتواصل في مبدئه يفيد الانتقال من الفردي إلى الاجتماعي وبذلك يغدو وكما أسلفنا شرطا أساسيا لكل حياة اجتماعية.

متغيرات التواصل:

الرسالة أو الخطاب التواصلي

إنها مجموعة محددة من العناصر اللغوية المادية والمعنوية التي يستمدها المرسل من مختزن أو مخزون الإشارات والرموز (REPERTOIRE) الذي يملكه، ثم يصوغها طبقا لأصول وقواعد محددة لتتوجه إلى المستقبل، من مميزات الرسالة:
  1. المصداقية: على الرسالة الإعلامية أن تبعث أو تصدر عن أصل ذي مصداقية وكفاءة يعترف بها ويتفق عليها وإلا فقدت كل ثقة واهتمام في الانتشار والاستقبال.
  2. السياق: على كل مرسل لخطاب أن يأخذ بعين الاعتبار السياق العام الذي يتواصل فيه وكذا المجال الذي يحيط به وذلك حتى لا تفقد الرسالة معناها.
  3. الوضوح: ان الرسالة الأوضح هي تلك الرسالة غير المعقدة في كلماتها ورموزها والتي يمكن لها أن تفهم وبنفس الطريقة وبسهولة من لدن المرسل أو المتلقي أي لا تكون ذات معاني متعددة.
  4. التماسك: على الرسالة أن تحافظ على تماسكها بمعنى أن لا تفقد معناها أو تعني أشياء أخرى كلما انتشرت وتكررت.
والرسالة يمكن لها أيضا أن تتأثر بمؤثرات عدة سواء في بدايتها أو أثناء تنقلها واستقبالها من طرف المستقبل ومن بين العناصر المؤثرة يمكن أن نذكر:
  1. التشوشات (BRUITS) التقنية والتي تتعلق أساسا بما يلحق القناة التي تحمل الرسالة من أضرار (أمثلة: كتابة غير واضحة، كتاب ممزق، خيوط غير ملتصقة...).
  2. التشوشات الدلالية والمتعلقة بفك رموز الشفرة المستعملة (أمثلة: لغة غير واضحة، مخارج الحروف غير واضحة، عبارات ذات المعنى المتعدد...)
  3. تشوشات تتعلق باتجاهات وسلوك عناصر الفعل التواصلي (احساسات، آراء قبلية...).

المستقبل والمرسل

يعتبر المرسل والمستقبل من العناصر الأساسية في الفعل التواصلي، إلا أنه لا يمكن الحديث عن علاقة تواصلية بينهما دون تدارس العلاقة بين قاموسها المرجعي Répertoire هذه العلاقة التي نوضحها كالتالي:
  1. القاموس المرجعي لكل من المرسل والمتلقي لا يتقاطعان إلا بنسبة ضئيلة: لهذا فالتواصل بينهما سيكون أصعب، لأن المستقبل لا يفك إلا بنسبة ضئيلة رموز الرسالة.
  2. القاموس المرجعي لكل من المرسل والمستقبل يتقاطعان بنسبة كبيرة جدا مما يعني أن التواصل سيكون تاما وجيدا.
  3. القاموس المرجعي لكل من المرسل والمتلقي لا يتقاطعان أبدا وفي هذه الحالة يكون التواصل منعدما.

القناة التواصلية

إنها المادة، الشكل أو الوسيلة التي تؤمن نقل رسالة من نقطة 'أ' إلى نقطة 'ب' (أمثلة: التموجات الصوتية، الأقمار الصناعية، الكتب، الخطوط الهاتفية، أجهزة الالتقاط كالراديو والتلفزيون...).
إن نقل الرسالة عبر قناة تواصلية يمكن له أن يتعرض لبعض المعيقات والتشوهات نتيجة خلل يلحق القناة (أمثلة: الظروف المناخية، الحجز، الكتابة غير الواضحة، التكتم، السرية...).
والقناة الفعالة التي يمكنها الاستفادة منها أكثر في تبليغ سليم للرسالة، هي تلك القناة القصيرة أي تلك التي تربط بين عدد قليل من المتواصلين والتي لا تعتمد على عدد كبير من نقط الاتصال.
هذا ما تؤكده الإحصائيات وخصوصا في مجال السبرنيتيكا حيث تبين أن ما يناهز 70 في المائة من تفاصيل محتوى الرسالة يضيع بعد مرورها في 6 نقط مختلفة وذلك قبل الوصول إلى المستقبل.

التواصل البيداغوجي

انطلاقا مما ذكر، وفي محاولة لتوظيف المعلومات النظرية حول التواصل والتي سبق التطرق إليها، وارتباطا بميدان التربية والتعليم يمكن استخراج التعريف الإجرائي التالي للتواصل البيداغوجي:
إن التواصل البيداغوجي هو كل أشكال وأنماط وسيرورات العلاقة التواصلية التي يمكن أن تحدث بين راشد / مدرس وبين أطفال / متعلمين، هذه العلاقة يمكن أن تتضمن طريقة إرسال (شفوية أو غيرها)، ووسائل اتصال داخل مكان أو زمان محددين. هذا التواصل يمكن أن يضع بين أهدافه تبادلا وتبليغا لمعلومات، نقلا وتلاقحا لتجارب، تلقينا لكفاءات، فصحا عن آراء واتجاهات وذلك بغية أن يحدث تغيير، يمكن قياسه، لدى المستقبل / المتعلم.

مميزات التواصل البيداغوجي

إن ما يميز التواصل البيداغوجي هو كونه يتم بين مجموعة من أشخاص تتفاعل فيما بينها بحيث يكون نشاطها جماعيا يحده مكان محدد هو الفصل أو القاعة الدراسية وزمان محدد هو زمن الحصة الدراسية.
وفي محاولة لتوظيف التعريف الإجرائي للتواصل البيداغوجي السالف الذكر يمكن أن نركز الاهتمام بالأساس على العلاقة بين عناصر الفعل التواصلي وهي المدرس والتلميذ وذلك في محاولة لإيصال الرسالة وهي المعرفة المدرسية وهكذا سيكون التالوث على الشكل التالي:
الثالوث البيداغوجي
الثالوث البيداغوجي

هذه العلاقة التواصلية / التفاعلية التي يمكن مقاربتها انطلاقا من نموذجين بيداغوجيين مختلفين:

النموذج الأول: المتمركز حول الأستاذ:

في هذا النموذج، يكون الفعل التواصلي متمركزا لدى الأستاذ الذي يعتبر المحرك الأساسي في العملية التعليمية التعلمية حيث يعتبر الكائن الوحيد الذي يمتلك المعرفة والذي يمكن له توزيعها على الآخرين. وهكذا يعتبر المتحكم والقائد لفعل التعلم مما يجعل التواصل منحصرا في الغالب في اتجاه واحد عمودي أستاذ - تلميذ. مما يكرس هذا التمركز هو تموضع الأستاذ، في هذه الوضعية، بالنسبة للتلاميذ، تموضعا يجعل منه قائدا يقف أمام الجميع في مكان يطل منه على التلاميذ. وهكذا فهذا التموضع يتيح له التبليغ وللتلاميذ الإنصات حيث أن ردود الفعل تكون جد ضئيلة.

النموذج الثاني: المتمركز حول التلميذ:

على عكس النموذج الأول فهذا النموذج يعطي أهمية كبرى للمتعلم في عملية التواصل. فدرجة التفاعل ترتفع، فيمكن أن تكون المبادرة للتلميذ أيضا الذي يمكن أن يكون مستقبلا ومرسلا كذلك.
وفي هذا النموذج يسمح بتموضع سواء للتلاميذ أو للأستاذ يتيح للجميع تبادل الرأي حيث التلاميذ وجها لوجه مع بعضهم والأستاذ بينهم وليس أمامهم. وهكذا فالعلاقة التواصلية هنا علاقة الند للند وعلاقة الشريك والكل يؤثر ويتأثر بالعملية التواصلية.

حدود ومعيقات التواصل البيداغوجي

إن التواصل داخل القسم الدراسي عملية ضرورية لكن يمكن أن تكون هناك معيقات تحد من هذا التواصل أو تحول دون أن يتم في ظروف جيدة يمكن أن نذكر من بينها:

أ- المعيقات الفكرية / المعلوماتية:
وتتعلق أساسا باللغة المستعملة في إيصال المعرفة المدرسية، هذه اللغة التي يمكن لها أن تفوق مستوى المستقبل حيث أن القاموس المرجعي لكل من المدرس / المرسل والتلميذ / المستقبل لا يكونان في توافق تام.

ب- المعيقات السيكولوجية:
  • المستوى العلائقي والانطباعات التي تتكون تجاه الآخر كالفكرة التي يكونها التلميذ على المدرس أو المدرس على التلميذ. هذا الرأي القبلي يمكن أن يكون سببا للتنافر أو للاستقبال السلبي.
  • التمثلات التي تترسخ لدى التلميذ حول الدراسة أو النظام التعليمي أو حول علاقة المدرسة بسوق الشغل... هذه التمثلات التي تجعل من التلميذ عنصرا لا يساهم في العملية التواصلية.
ج- المعيقات المرضية:


تتجلى فيما يمكن أن يلحق بالحواس، سواء المرسل أو المستقبل، من أعطاب وهذا يحدث ويلحق أضرارا بالقناتين المستعملتين في إيصال الرسالة داخل الفصل، سواء القناة السمعية الصوتية أو المرئية البصرية (أمثلة: صعوبة نطق بعض الحروف، خلل في السمع، ضعف البصر، أعطاب حسية / حركية أخرى...).

د- عوائق تتعلق بظروف الإرسال والالتقاط:
  • التشوشات التي يحدثها الضجيج داخل القسم أو خارجه، هذه التشوشات التي تؤثر كما سبقت الإشارة على انتقال الرسالة.
  • النبرات الصوتية لكل من المدرس والتلميذ أثناء الحوار التواصلي.
  • الاكتظاظ داخل القسم الدراسي مما يكون سببا في تعدد شبكات التواصل وكذا بعد المسافة بين المرسل والمستقبل وذلك مما يزيد القناة التواصلية تعقيدا.

استنتاج

إن التواصل، وكما أسلفنا، فعل ضروري في كل عملية تربوية وبيداغوجية. ولكي تتم هذه العملية في أحسن الظروف يمكن أن نورد بعض الاقتراحات:
  • لا تواصل بيداغوجي بمعنى الكلمة كلما كان المدرس / المرسل متمركزا حول ذاته، إذ على الرسالة التواصلية أن تكون ثنائية الاتجاه (أستاذ - تلميذ). لذلك على المدرس أن يعزز عمله بعملية اختبارية ضرورية وهي نظام ضبط التواصل (فيدباك) كما بينا ذلك بنموذج وينر. فالفيدباك يعتبر بمثابة إخبار عن إخبار ولذلك فهو يمكن الأستاذ من تكييف رسالته وتعديلها وضبطها على ضوء ردود فعل تلاميذه. و feed-back يمكن أن يتم عن طريق أسئلة (كتابية أو شفوية) يوجهها المدرس في آخر كل حصة دراسية (التقويم التكويني) أو في نهاية كل وحدة دراسية (التقييم الإجمالي).
  • تشويق التلميذ ضرورة قصوى ونركز على التشويق الداخلي حيث يقبل التلميذ على الدرس ويعيره اهتماما أكثر وهذا ما يدفعه إلى المشاركة والاندماج الإيجابي في الفعل التواصلي. وهذا التشويق لن يتأتى إلا إذا أخذت انتظارات التلميذ وتمثلاته المختلفة، والمتعلقة أساسا بالدراسة بعين الاعتبار.
  • ان مراجعة البرامج والمناهج الدراسية مسألة ضرورية، فالبرنامج الذي يعطي الأهمية الأولى للمعلومات لا يمكن للطرق البيداغوجية إلا أن تكون دوغمائية وبالتالي تغيب التلميذ في العمل التواصلي لأن الهدف يبقى وضع نقطة نهاية للمقرر. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الوسائل والفضاءات التعليمية التي يجب أن ترقى إلى مستوى يتماشى والطرق الحديثة.
  • ان التواصل يشترط أن تهيأ ظروفا له وبالتالي ظروف للعمل وبالخصوص داخل القسم حيث يعتبر معدل التلاميذ في الفصل الدراسي، ومن العوائق الأساسية في عملية التواصل، لأننا نعلم بأنه كلما ازداد حجم الجماعة إلا وكان التواصل عسيرا حيث الشبكة التواصلية متشبعة بالاضافة إلى عوائق أخرى كالضجيج وصعوبة ضبط أفراد العملية التواصلية...

خلاصة 

إن التواصل البيداغوجي له بعد اجتماعي أساسي، فهو إذن بوصفه تبادلا بين رموز وعلاقات وأشياء فهو يدخل ضمن عملية التنشئة الاجتماعية، ويلعب دورا أساسيا في تشكيل الفرد ووعيه. وهكذا يكون أساسه ربط علاقة اجتماعية / إنسانية بين كل عناصر العملية التواصلية. هذه العلاقة التي لا يمكن لها أن تتم في أحسن الظروف إلا إذا كانت هناك رغبة من كل عناصر الفعل التواصلي في ربط علاقة فعالة يعترف من خلالها بالمجهود والفعل الإيجابي وبالتالي يجب أن لا يقتصر دور المربي / المرسل بالاخبار بل بالتواصل الثنائي الاتجاه وأن لا يكتفي التلميذ / المستقبل بحالة تلقي سلبية بل بحالة تبادل وعطاء.

وفي الأخير ندعوكم لمشاهدة هذا المحاضرة المميزة حول الاتصال التربوي:



نتمنى أن نكون قد استطعنا توصيل معنى التواصل والتواصل البيداغوجي، وإلى لقاء آخر مع موضوع جديد على مدونتكم الثقافية محيط المعرفة.

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

موضوع غني وشامل يشرح بتفصيل التواصل وخاصة التواصل البيداغوجي شكرا جزيلا لكم

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا