الاثنين، 26 فبراير 2018

تطور دماغ الطفل و الموجات اللولبية 1


منذ أكثر من عقد مضى تحدثت المراجع الطبية الرئيسية المرشدة لنمو الطفل, حول كيفية بزوغ التفكير وسلوك الرضع والأطفال, لكنهم لم يذكروا المخ مطلقا باعتبار أن مجال دراسة نمو الطفل يختلف تماما مع مجال دراسة الدماغ ولا توجد نقاط التقاء بين المجالين, لكن جيلا جديدا من العلماء بدأ يرى أن ربط المتغيرات الفزيولوجية التي تجري في دماغ الرضيع  بالسلوك البشري والحيواني, ستكشف عن حقائق جوهرية في حياة الطفل.
تطور دماغ الطفل و الموجات اللولبية 1
تطور دماغ الطفل

ويعتبر كيرت فيشر أحد رواد هذا الاتجاه الجديد, وهو تربوي من جامعة هارفارد, وينتمي إلى مدرسة بياجيه الجديدة بالاضافة لكونه عالم أعصاب. وكما هو معلوم فإن جون بياجيه قد قسم مراحل نمو الطفل إلى أربعة مراحل :
    المرحلة الاولى: المرحلة الحسية الحركية وتشمل الفترة من بداية حياة الطفل وحتى انتهاء عامه الثاني وهي فترة يتعامل الطفل فيها مع الواقع من خلال الجوانب الحسية الحركية حيث لا مجال للتفكير في هذه المرحلة ويكون الاعتماد منصبا على الحواس الخمس في استكشاف العالم الخارجي.
     المرحلة الثانية: مرحلة ما قبل العمليات والتي تمتد من السنة الثانية الى السنة السادسة أو السابعة من العمر، وهي تشهد بدايات عملية التمثيل العقلي، حيث يبدأ الطفل في بناء أنساق بسيطة من الرموز لتمثيل العالم في صور أو جمل أو شفرات، وإن كان يفتقد للنظرة الكلية للأمور والأحداث.
    المرحلة الثالثة:  مرحلة العمليّات البحثية  و تمتد من السنة السابعة الى السنة الثانية عشر، وهي مرحلة تتميز بقدرة الطفل على تكوين تمثيلات عقلية أو ذكريات عن الأحداث ومعالجتها بشكل إيجابي ونشط. فتظهر مفاهيم مثل الكل والجزء والكم والكيف والمقارنة والمتمايزة، وتتنامى هذه القدرات بالتفاعل مع البيئة والأقران.
    المرحلة الرابعة: المرحلة الشكلية العملياتية أو التجريدية  وتبدأ من الثانية عشر وتستمر إلى ما بعد ذلك، حيث يبدأ التفكير لدى الأطفال في هذه المرحلة في أخذ ملامح وخصائص التفكير لدى الراشدين،وهي الملامح  التي تتمثل في ازدياد قدرات التفكير والذكاء، كاتساع نطاق ودقة الذاكرة، وتزايد قدرات حل المشكلات، والتعامل مع الرموز والتفكير المجرد، ووضع الفرضيّات والاحتمالات والتطوّر في التّفكير النّاقد ومقارنة الأشياء وتحليلها واختيار الأنسب.

وقد بنى فيشر نمودجه العصري داخل اطار بياجيه لمراحل الطفولة، بمواءمة السلوكيات الآخذة في الظهور مع التغيرات الحادثة في المخ واضعا أبنيه سان و سث تحت المراقبة منذ الميلاد مستعينا بزميله صامويل روز، هذه الملاحظة المنظمة أزاحت الستار عن حقيقة رائعة، والتي تدعم النموذج الجديد, من نمو الطفل المتمركز حول الدماغ.
قام الباحثان فيشر وزميله صامويل بتصوير دماغي الرضيعين سان و سث تلفزيونيا على أساس أسبوعي, فأمكنهما تسجيل نمو متعاظم لوصلات الدماغ مابين الأسبوعين الثالث والرابع، والسابع والثامن، والعاشر والسابع عشر. والذي يتواكب مع تنامي آخر لدى أطفال رضع آخرين في دراسات أخرى.

وفي هذه الأثناء ومن غير المتوقع, مرض سيث بأول إصابة بالإنفلوانزا بين الأسبوع السابع عشر والتاسع عشر, وبدلا من ظهور التنامي المتوقع أخفق دماغه في مواكبة دماغ أخيه سان في فترة المرض هذه. وهذا يدل على أن التغيرات العضوية وتأثيرات البيئة يعملان سويا, وكيف أنه خلال النمو يمكن لمتغيرات بيئية طفيفة أن تغير منحى النمو بصورة دراماتيكية, حسب وصف فيشر.
ولخص فيشر مشكلة سيث في عدم حصوله على طاقة زائدة لأنه لا يستطيع تناول الطعام بسبب مرضه وبالتالي يتوقف النظام لفترة, في نموذج فيشر ينمو دماغ الطفل على فترات ابتداء من الطفولة المبكرة كما رأينا والتي يطلق عليه اسم النامياتgrowers (سلوك وظائف المخ النامية) والتي تعمل على تراكم وتفرع النمو اللاحق وقد استطاع فيشر وصف نمو مناطق معينة من الدماغ وربطها بالسلوكيات الناتجة عنها ووجد أن مادة الميلين تتراكم في أذرع النهايات العصبية وتكون وصلات عصبية جديدة وتتلاشى الوصلات الضعيفة وغير المستخدمة.كما تمكن من توصيفها رياضيا باستعمال معادلات جبرية تصف دائرة الحركة في الدماغ وتفاعل النميات في ما بينها.وفي الموضوع القادم بمشيئة الله سنكمل معكم عرضنا لدراسة شيفر لتطور دماغ الطفل والموجات اللولبية.

                                                          كتاب العقل وأشجاره السحرية

0 التعليقات

إرسال تعليق