الحضارة الرومانية 3: روما التأسيس بين الأسطورة والحقائق التاريخية


  تقول الأسطورة أن روما تأسست سنة 753 ق.م أي من حولي 3000 سنة على نهر التيبر نتيجة دراما توأمين. عندما أعجب مارس اله الحرب بفتاة، فأولدها توأمين ريموس وروميلوس،  وعندما وصل نبأهما إلى عمهما اميليوس غضب غضبا شديدا وأمر بإلقائهما في نهر التيبر. ولكن الالهة تدخلت وانجتهما من الغرق وجاءت ذئبة من الجبال وحنت عليهما وأرضعتهما وظلا كذلك إلى أن عثر عليهما راعي قطعان الملك بوستولوس وقام هو وزوجته بتربيتهما. وعندما بلغا الثامنة عشر من العمر منحهما جدهما نومبتور،  أراضي التلال السبعة، فقرر الأخوان  بناء مدينة لهما على تل البالاتيوم. ثم استشار الأخوان الألهة فيمن يضع أساس المدينة فاختارت روميلوس. فأخذ محراثه ذا السن النحاسي واختط به أخدودا حول بالاتيوم ليكون سورا لروما ثم أمر السابينيين واللاتين ببناء السور،  فلما ارتفع السور أصبح مقدسا، ولا يجوز لأحد اجتيازه والدخول إلى المدينة، إلا من أبوابه. فغضب ريموس بسبب تجاهل الآلهة واختيارها لأخيه فقفز على السور قائلا "هل لمثل هذه الحواجز أن تصون مدينتك؟ فاستشاط روميلوس غضبا وقتل أخاه صائحا "هكذا سيهلك كل من يجتاز أسوار مدينتي".
روما التأسيس بين الأسطورة والحقائق التاريخية
روما التأسيس بين الأسطورة والحقائق التاريخية Lupa capitolina أو "ذئبة كابيتولينيا" في موزي كابيتوليني بتلة كابيتوليني في روما، إيطاليا. حيث توجد المنحوتة منذ العام 1473


فانفرد روميلوس بالسلطة واكمل بناء روما على آثار دماء أخيه والتي ستظل تسفك لعدة قرون وجعلها ملجأ للصوص والمشردين والمغامرين وطلب من جيرانه السابينيين تزويج بناتهم من شعبه الجديد فرفضوا فلجأ إلى الحيلة عندما دعاهم إلى حفل،  فاختطف هو ومن معه بناتهم وطردهم. فكان ذلك سببا في حروب طاحنة بين الطرفين ثم عقد صلح بينهما بعدما توسطت زوجاتهم السابينيات. وأصبح نتيجة لذلك روميلوس وتاتيوس السابيني ملكين عليهم يحكمان معا لكن تاتيوس قتل في حرب خاضها ضد جيران آخرين، ليبقى روميلوس وحده حاكما منفردا على الرومان والسابنيين.

تأسيس روما وفق المكتشفات الأثرية

ظل الشاطئ الشرقي الإيطالي مدة طويلة بعيدا عن الحضارة، في حين كانت جميع المدن اليونانية المتحضرة والقوية تشرف على جزر بحر إيجة الدائمة الحركة، أما الشاطئ الغربي لإيطاليا فكان لا يمتد أفقه إلى أبعد من أمواج البحر الأبيض المتوسط المتوحشة. إلى أن نزحت إليه قبائل هندو أوروبية التمست طريقها عبر ممرات الألب، ثم اندفعت نحو الجنوب إلى أن ملأت كعب الحذاء الإيطالي المشهور بقراهم وقطعانهم. لقد كانت هذه البلاد فقيرة، لذلك قلما كان يزورها التجار الأجانب، وقد قنع أهلها بالعيش آمنين بين التلال والسهول المليئة بالمستنقعات ولم يكتب تاريخ تأسيس روما إلا بعد 800 عام، عندما أصبحت القرى المتناثرة امبراطورية.   

لقد بدأت روما كمكان مناسب للمقايضة والاتجار بالخيول لوقوعها في قلب سهول أواسط ايطاليا كما كان نهر التيبر يصلها بالبحر مباشرة وكانت التلال السبعة التي تنهض على ضفاف النهر ملجأ أمينا يحتمي به الأهالي من غائلة أعدائهم الذين كانوا يقطنون الجبال أو القادمين من وراء البحر المجاور.

كان يعرف أهل الجبال بالسابيين وهم قوم غلاظ تحدوهم رغبة خبيثة في السلب السهر اليسير, فضلا على ،أنهم كانوا على حظ ضئيل من الحضارة, يستعملون فؤوسا حجرية وذروعا من الخشب, ولا قبل لهم بأهل روما القوة الصاعدة في إيطاليا المزودين بسيوف مصنوعة من الحديد. أما سكان البحر فكانوا أعداء دوي خطر، وعرفوا باسم الأتروريين وكانوا ولا يزالون من أسرار التاريخ، إذ لا يعرف أحد من أين أتوا، وما أصلهم، وما الذي دفعهم إلى الهجرة من مواطنهم الأصلية. وإن كان البعض يرجح أنهم وفدوا من آسيا الصغرى وحملوا معهم بذور الحضارة القديمة من الشرق، فعلموا الرومان القادمين من الشمال المبادئ الأولى للعمارة وشق الطرق والفن والطهو والطب والفلك.

وكان الرومان يكرهون أساتذتهم الأتروريين، الذين تحدثنا عنهم في موضوعنا السابق(الحضارة الأتروسكية). كما كان الإغريق يبغضون أساتذتهم الإيجيين (نسبة إلى بحر إيجة الكريتيين والموكينيين...) فتخلصوا منهم في أول فرصة أتيحت لهم عندما وجد التجار الإغريق طريقا إلى روما فوجدوا بها قبائل عرفت باسم اللاتين فمكثوا عندهم لأنهم رأوا عندهم رغبة جامحة في تعلم كل المعارف ذات الصبغة العملية، وأدرك اللاتين لأول وهلة الفائدة العظمى التي يمكن أن تعود عليهم من تعلم الأبجدية الإغريقية ونظام السكة والمقاييس والموازين على نهج منظم , ثم شرب الرومان آخر الأمر كأس الحضارة الإغريقية حتى الثمالة، بل قد رحبوا بدخول الآلهة الرومانية فانتقل الاله زيوس إلى روما وأصبح يعرف باسم جوبيتر وتبعه سائر الآلهة.
قلد الرومان الأوائل نظام الحكم الإغريقي وخصوصا أثينا إلا أنهم تميزوا بتدبر أمورهم دون الاسترسال في الجدل والنقاش، إذ كانوا أقل خيالا من الإغريق لذلك آثروا الأعمال على الأقوال فتجنبوا إضاعة الوقت الثمين في الكلام الذي لا طائل منه فجعلوا تصريف الأمور في أيدي القناصل ومجلس الشيوخ المنتخبون من الأشراف.

مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا