وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف والعلم


يصعب إيجاد تعريف محدد للفلسفة فمنهم من يصفها بالدهشة والانبهار حتى بالأمور الاعتيادية وآخرون نعتوها بمحبة المعرفة أو الفضيلة فأيا كان التعريف الذي يطلق عليها فالكل يجمع على أنها أم العلوم لأنها كانت السباقة لملامسة أقصى حدود التفكير وتولت المهمة الأصعب المتمثلة في الخوض في الماورائيات وسر الوجود وأصل الموجودات ولكنها اليوم تنازلت عن أراض كانت حكرا عليها لصالح بناتها الفيزياء والكيمياء وعلوم الفلك والبيولوجيا....
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف والعلم
تشابه شكل المجرة مع هذه القوقعة يدعو للتأمل

جذور فلسفة وحدة الوجود

وتعتبر قضية وحدة الوجود من أصعب القضايا الفلسفية التي تناولتها الفلسفة التي تعمق فيها لاحقا المتصوفة وبحث عن آثارها العلماء. لقد كانت وحدة الوجود في الحضارات القديمة مفضوحة صريحة، وأحياناً مشاراً إليها في لغة الخطاب، كقولهم: «إذا فهمت ورقة واحدة من أوراق الأشجار فسوف تفهم الكون كله»، وظهر خلال العصر الحديث ما يحاكي هذه الصيغة كتصور الفيلسوف الألماني لايبنتز بأن قطرة من الماء تحتوي على نسق الكون كله، أو كما أنشد الشاعر الإنجليزي (وليام بليك) هذه الأبيات من الشعر: ﻟﺘﺭﻯ العالم في حبة رمل، والسماء في زهرة برية، لذا أمسك اللانهاية براحة يدك والخلود في ساعة واحدة.

رأي الصوفية في وحدة الوجود

كان من الواجب علينا أن نذكّر بتلك الاعتبارات، كي نعرف أي نوع من وحدة الوجود استعادها العلم المعاصر من علوم الحضارات القديمة. فالمسلمات العلمية المعاصرة حول تحليل المادة والطاقة ورد كل منهما إلى الآخر، وكذلك إرجاع جميع الأشياء من العناصر والمركبات الكونية إلى جسيمات متماثلة واقعة تختلف فقط في ترددها الموجي يفوق التصور العقلي، الأمر الذي يجعل من حركاتها وتفاعلاتها تتخذ إنساقاً هندسية تمثل أساس التكثر والاختلاف الذي نراه في الوجود الطبيعي. أن هذه المسلمات لهي ذات دلالة واضحة على وحدة الوجود. ولو في اطارها الطبيعي الضيق، التي كان القدماء المسلمون وخصوصا ذوي التوجه الصوفي يصعب عليهم توضيحها، فشبهوها بتشبيهات عديدة كالشعلة الجوالة، والبحر وأمواجه، والنور واختلافه في القوة والضعف، واللوح والمداد، وغير ذلك من التشبيهات الأخرى. لكن أقربها إلى الفهم العلمي هو الأخير ذو المغزى (الصوفي) من وحدة الوجود.

فالمداد المطبوع على اللوح بأحرف مختلفة يجلّي حالة ما كان يسمى بـ «الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة». إذ لا وجود في اللوح سوى المداد، ومع ذلك فالتنوع والاختلاف في شكل هذا المداد - بالحروف - إنما يعني وجود التكثر وسط الوحدة، ووجود الوحدة في التكثر. فما يُرى من فوضى التكثر والاختلاف يضمر انسجاما في الوحدة، وما يُرى من هذه الوحدة يضمر ذلك التكثر والاختلاف، فهو شبيه بما يقوله أصحاب نظرية الكايوس الحديثة أو الفوضى المنظمة من وجود النظام داخل الفوضى نفسها»، أو ما يسمى بهندسة الفراكتال أو ظاهرة التكرار المتغير في الطبيعة، فكل تفصيل صغير يحتوي على الكون كله، رغم أن له كونه الخاص المختلف، مما يعطي مزيجاً من التنوع والكلي في آن واحد. فالتصوير السابق الذي صوّره أصحاب النظام الوجودي داخل الحضارة الإسلامية يطابق إلى حد كبير ما توصّل إليه العلم المعاصر من أن جميع القوى الطبيعية والعناصر والجسيمات .

نظرية الأوتار والفيزياء الكمومية تميط اللثام عن لغز وحدة الوجود

أما من حيث الجسيمات النهائية فهي مصنفة إلى عدد من الأصناف المختلفة، هي الكواركات واللبتونات ومنها الإلكترونات، لكنها متقاربة ومتشابهة، إذ عادة ما تختلف طبقاً لمقدار كتلتها أو نوع شحنتها أو بحسب دورانها المغزلي (السبين)، وبعضها يتحول إلى البعض الآخر، إضافة إلى ما تشترك به من التحول إلى الطاقة. حتى أن رائد نظرية اللاتحدد الجسيمية (هايزنبرج) يرى بأن هناك جوهراً واحداً أساسياً يتكون منه كل الواقع، كالذي يبحث عنه فلاسفة الإغريق القدماء، وهو ما يسمى بالطاقة، التي لها أشكال مختلفة. ومع أن هناك من يرى بأن جملة من الجسيمات النووية الثقيلة (الهادرونات) كالبروتونات والنيترونات لا يمكن اختزالها إلى جسيمات أولية، وهو المذهب الذي طوّره (جوفري شو) في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، والمسمى بمذهب (الديمقراطية النووية)، إلا أن التطورات التالية بيّنت بأن هناك بالفعل جسيمات أولية تمّ تحديدها كما تتمثل بالكواركات.
. ولا شك أن فرض البساطة على الطبيعة يتسق وطريقة النظام الوجودي من رد الأمور إلى الوحدة، وكما يقول أينشتاين بأن العالِم الفيزيائي قد يبدو فيثاغورياً أو افلاطونياً طالما يعتبر مسألة البساطة المنطقية شيئاً لا مفر منه، وأداة مؤثرة في بحثه. 

وعموماً فإن هذه الجسيمات تعد أساس ما يتمظهر عنها من عناصر ومركبات وأجسام مختلفة ، حيث تتخذ أشكالاً مختلفة من التكدس والتنقل والتذبذب والتهندس والإختفاء والكمون وسط البساط الموجي الذي لا يعني شيئاً دونها. وبحسب نظرية الأوتار فإن ما يبدو جسيمات أولية مختلفة هو في واقع الأمر نغمات متباينة لوتر أساس واحد. فثمة عدد ضخم من الأوتار المتذبذبة التي تمثل سمفونية كونية، فلكل وتر نسق اهتزازي رنيني ينشأ عنه جسيمة ذات طبيعة محددة وفقاً لطبيعة الإهتزاز، فالأنساق الإهتزازية للوتر المجهري تولّد كتلاً وشحنات قوى مختلفة، وبالتالي فخواص جميع الجسيمات والقوى الطبيعية المختلفة مردها إلى تذبذبات الوتر، أو أن جميع المواد والقوى لها مكون واحد أساس يتمثل بالوتر المتذبذب، لذلك يقال بأنه لو فهمنا المكونات الأساسية لفهمنا كل شيء دون استثناء، وهي  بالتالي نظرية كل شيء كما يقال.

نقطة التقاء بين الصوفية والفلسفة والفيزياء في إثبات وحدة الوجود

وكل ذلك يعني إعادة إحياء تلك المقولة الفلسفية الآنفة الذكر «الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة». فالتكثر والتنوع في مختلف أجزاء الطبيعة ومظاهرها وعلاقاتها مستمد من تلك النقطة الجوهرية لوحدة الجسيمات التي تتجلى فيها المظاهر المختلفة وسط لوح التموجات. وعلى الرغم من أنها هي الموجودة حقيقة وليس هناك شيء آخر غيرها في عالم الكون، فإنها تبدو مختفية تماماً، وما يظهر من عوالم كونية مختلفة، إنما هي مظاهر لها تسترها وتخفيها، بل هي عين السراب عند النظر والتدقيق، إذ حقيقة ما موجود هو «الجسيم» وحده، وما عداه وهم ناتج عن نشاطه الموجي.
 الشيء الذي يماثل قول أصحاب المتصوفة المسلمون  من أن «الوجود» لشدة ظهوره كان أكثر الأشياء خفاء، بل هو الظاهر والباطن ولا شيء غيره في لوح الوجود البتة، أو قولهم صراحة ليس في الوجود إلا «الله» وما عداه وهم وباطل.
                      
                                                                                    
جورج جونسون: بحث في نظام الكون
ستيفن وينبرغ: الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون
إبن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة
جيمس جينز: الفيزياء والفلسفة
مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

هناك 13 تعليقًا:

غير معرف يقول...

تطور العلوم في النهاية سيثبت ان للكون خالق واحد لانه لا يصح الا الصحيح وما بني على باطل فهو باطل ولا إله الا الله الواحد الاحد ومحمد رسول الله

Boutchichi Houcine يقول...

بالفعل أخي وحدة الوجود دليل على وحدة الصانع, فالمادة في عمقها هي عبارة عن طاقة مكثفة كما أثبت ذلك انشتاين وبعبارة أخرى خيوط من الطاقة تتذبذب وفق ترددات معينة فخيوط الطاقة كلها موحدة ومتشابهة ,الاختلاف الوحيد هي طريقة التذبذب وسرعتها وترددها هي التي تعطينا الماء والحديد والزئبق .ويمكن أن نقول أن الكون ما هو إلا سنفونية كونية متناغمة وتسير وفق خطة إلهية محكمة

غير معرف يقول...

وحدة الوجود تبدو أوضح من أن يُختلف حولها، حتى أنه من الممكن تحقق إجماع بشري على أنها الحقيقة الأكبر أو أم الحقائق، لكن ذلك ليس برهانًا على حكمة وغاية من وراء الوجود، بل هو برهان على العكس. وحدة الوجود لا تعني المدلول السطحي للفكرة من أن كل الموجودات تتكون من ذات المكونات أو أنها نابعة من مصدر واحد وحسب، بل تعني أن ثمة قوة خفية واحدة تعمل ذاتيًا داخل كل الموجودات، تُسيرها أو تستعملها رغمًا عنها، ودون مبررات ولا أسباب ولا غايات معلومة، وأن الإرادة الظاهرية للكائنات الحية مجرد سراب. إن عبثية الوجود أوضح من وحدته، ووحدة الوجود تنفي وجود الإله الشخصي المنفصل عن العالم - ذي الصفات البشرية الذي تتحدث عنه الأديان. إن وحدة الوجود تثبت أن سر الوجود كامن في كل ذرة من ذراته، وهذا يعني أن هذا السر هو الصانع الحقيقي لأفعال كل الموجودات، وهذا ينفي مسئولية الإنسان عن قناعاته وقدراته وسلوكه، ويُحيل هذه المسئولية إلى الصانع الحقيقي الخفي للأفعال والكامن في كل ذرة من ذرات الوجود. لا يمكن للكون إلا أن يكون أزليًا وأبديًا، ولا يمكن لشيء يحدث بين الأزل والأبد إلا أن يكون عبثيًا . إنه لمن التبسيط والتسطيح المخل بالعقلانية، أن يعتقد أحد بأن حياة لمدة 100 سنة، هي التجربة الأولى والأخيرة، تقوم على الصدفة والحظ، وتقود صاحبها إلى عذاب أبدي أو نعيم أبدي .. والأدهى أن يأتي من يُسمي ذلك حكمة وعدلًا !

Boutchichi Houcine يقول...

أشكر الأخ على التعقيب والطرح المميز للأفكار ولكني أختلف معك في مجموعة من الأفكار .
1-اعتبارك لوحدة الوجود برهاناعلى عبثية الوجود وعلى وجود قوة قاهرة تنفي الحرية والإرادة الظاهرية للكائنات الحيةوتنفي الوجود الشخصي للإله ,وأن الإرادة الظاهرية للكائنات الحية مجرد سراب ,وأن وحدة الوجود تنفي وجود الإله الشخصي المنفصل عن العالم هي في الحقيقة فكرة قديمة وردت على لسان ابن عربي وابن سبعين الذي قالا بأنه لا وجودلخلق ولا موجود من عدم بل مجرد فيض وتجليّ ومادام الأمر كذلك، فلا مجال للحديث عن علة أو غاية، وإنما يسير العالم وفق ضرورة مطلقة ويخضع للحتمية والجبرية الصارمةوهذا العالم لا يتكلم فيه عن خير وشر ولا عن قضاءوقدر ولا عن حريةأو إرادة ومن ثم لا حساب ولا مسؤولية وثواب ولا عقاب،.وهذا الرأي رد على صاحبه لأن هذا القول يجعل الخالق والمخلوق وحدة واحدة سواء بسواءفالله جل شأنه منزه عن الاتحاد به أو الحلول بمخلوقاته .
2- قولك بأزلية الكون دليل على عدم اطلاعك على الفيزياء الكونية فأي طالب في السنة الأولى يمكنه اقناعك بكل سهولة بأن الكون محدث أي له بداية ونهاية فالكون في توسع مستمر كما أثبت ذلك إدوين هابل والملاحظات الفلكية تؤكد ذلك أيضا, فإذا رجعنا بسهم الزمن إلى الوراء فسنجد أن الطاقة والمادة والزمان والمكان سيلتقيان في نقطة واحدة متناهية في الكثافة ومتناهية في الحرارة والصغر بدأ منها كل شيء.
3- استنكارك لدخول الجنة أو النار بناء على تجربة حياتية لا تتعدى 100 عام وأن هذا لا علاقته بالعدل والحكمة .إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة أو النار ، لمجرد أنه يعلم أنهم يستحقون ذلك ؛ بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها ـ فعلا ـ في دنياهم ، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره : لأوشك أن يحتجوا على الله بأنه لم يختبرهم ، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل ، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها ؛ فخلقهم في الدنيا ، وركَّب لهم عقولاً ، وأنزل لهم كتبه ، وأرسل إليهم رسله ، وكل ذلك لئلا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة .

غير معرف يقول...

جزء (1)
أشكر لك اهتمامك بتعليقات القراء، وكنتُ أتوقع وأتمنى عليك الابتعاد عن أسلوب السخرية ‏البارز في السطر الأول من النقطة الثانية في ردك، لكن لا عليك، أعتبرها زلة يغفرها لك ‏مجهودك في نشر المعرفة، وأود أن تعلم بأني على اطلاع واسع بالفيزياء الكونية والكمومية، ‏وكانت لي كتاباتي وأفكاري الخاصة حول الجاذبية ونظرية الانفجار العظيم ومفهوم الزمكان ‏وغيرها كثير، ولستُ صيدًا سهلًا لطالب بالسنة الأولى فيزياء ، واعلم أخي أني ما قصدتُ ‏بتعليقي استفزازكم ولا التقليل من معلوماتكم وتفكيركم، إنما أردتُ تذكيركم بأن العِلم لا يؤمن ‏باليقين والانتهاء، بل يؤمن بالتطور والتغير المستمر، ولذا يجب التفريق بين النظريات ‏والفرضيات وحتى الاكتشافات العلمية المتغيرة وبين اليقينيات الدينية الغيبية المفروضة على ‏العقل ببرهان وبدونه (بالتلقين والتخويف والتطميع والخداع والتكفير وحد الردة).‏
‏1-‏ ربما تكون قناعتي وأفكاري قد تقاطعتُ مع ابن عربي أو غيره مصادفة، فأنا لم أقرأ له، ‏لكني أقول ما يقوله المنطق والعقل والواقع، وهو استحالة حدوث تحرر واستقلال ‏وانفصال تام بين المخلوق والخالق حتى بدون فكرة وحدة الوجود، وذلك بغض النظر ‏عن ماهية الخالق، فلا بد من وجود رابط بينهما يجعل الله شريكا دائمًا فيما يفعله ‏الإنسان، ولا مناص للصانع من المسئولية عن رداءة مصنوعه، وليس من العدل ‏والحكمة أن يراقب الأب أبناءه وهم يفعلون الخطأ بينما هم يحسبون أنهم يُحسنون ‏صنعا، ثم يعاقبهم على غفلتهم، بدل أن يتدخل في الوقت المناسب لإرشادهم وحمايتهم ‏من الوقوع بالخطأ، وليس الأبناء بأقرب لأباهم من قرابة البشر لخالقهم، وليس الآباء ‏بأرحم من الله، وليس الله بمنأى عن المسئولية الأخلاقية!‏
‏2-‏ لم أجزم في تعليقي السابق ببطلان نظرية الانفجار العظيم، إنما قلت بأنه حتى لو ‏صحت، فإنه لا يصح اعتبار الانفجار قد انطلق من العدم، ولا يصح القول بأنه لم يكن ‏هناك كون ولا أي شيء غير العدم قبل 13.7 مليار سنة، وكأن هذه المدة الزمنية ‏المحدودة هي الأزل .‏
‏3-‏ علميًا ومنطقيًا لا يمكن لأي بداية إلا وأن تكون مسبوقة بشيء قبلها تنطلق منه، وهكذا ‏إلى الأزل، أي إلى ما لانهاية، ولذلك قلتُ بأن الانفجار العظيم إن حدث، فهو واحد في ‏سلسلة انفجارات كونية متعاقبة، تنتج عنها دورات وجودية متعاقبة، وليس هو ‏الانفجار الأول والأخير كما يفهم الكثيرون من هذه النظرية.‏
‏4-‏ لا أشك بأنك والقراء الكرام على علم بالمُسلَّمة العلمية التي تقول بأن المادة لا تفنى ولا ‏تُخلق من عدم.‏
‏5-‏ حتى دينيًا، لا مناص من القول بأن الله أزلي وأبدي؛ والاعتقاد بأن الله هو خالق الكون ‏يعني أن الكون قد انبثق عن الله وليس عن العدم، إذ لا يصح اعتبار أمر الله - سواء كان ‏هذا الأمر لفظًا أو فكرة أو نية .. الخ – لا يصح اعتباره عدمًا، وحيث أن الله أزلي أبدي ‏يصبح الكون أزليًا أبديًا، إذ لا يصح الاعتقاد بأن فكرة خلق الكون قد خطرت على الله ‏فقط قبل 13.7 مليار سنة، وبأنه لم يكن يعلم بها منذ الأزل، وهذا يعني أن الكون أزلي ‏أبدي - سواء بشكله المادي أو على شكل فكرة في علم الله.‏
‏6-‏ أعلم مدى حساسية الموضوع الديني وما يتطلبه الخوض فيه من وقت ومساحة غير ‏متوفرين عادةً، لذا ربما علي الاعتذار عن تطرقي له في سابقًا، وسأكتفي هنا برد ‏مختصر على ما تفضلتم به، وبتوضيح ما قصدته في تعليقي السابق، وهو ليس استنكار ‏فكرة العقاب والثواب – بغض النظر عن رأيي فيها، إنما قصدتُ انعدام التناسب بين ‏تجربة أولى وقصيرة وبين عقوبة وجزاء أبديين، وبالتالي انعدام العدل والحكمة؛ فنحن ‏نعلم من واقع حياتنا بأن أفعال الإنسان تسبق وعيه وإدراكه وليس العكس، فالإنسان ‏محكوم بزمن محدود واختيارات محدودة لا تنتظر طويلًا، تفرض عليه المجازفة، وهو ‏لذلك عادةً لا يعرف صواب فعله من عدمه إلا بنتائجه، أي بعد فوات الأوان، ولو كان ‏الأمر غير ذلك لكان كل البشر ناجحين في حياتهم بدل أن يكون جلهم فاشلين كما نرى.

غير معرف يقول...

جزء (2)‏
‏7-‏ إن الحياة تعتبر تجربة أولى للإنسان، ولا أحد يمكنه ضمان نجاحه في تجربته الأولى ‏في أي ميدان، ويمكننا ملاحظة ذلك بوضوح في أن أحدنا لا يُدرك أخطاءه في كل مرحلة ‏من مراحل عمره إلا في المرحلة التي تعقبها، فيسخر من نفسه ويندم ويستغرب كيف ‏فعل ذلك، حتى إذا ما بلغ المرحلة الأخيرة أدرك كل أخطائه لكن بعد فوات الأوان، فهل ‏من العدل في شيء أن يُحاسَب ويُعاقَب الإنسان على فشله في أمر غيبي، وهو الفاشل ‏في أموره الخاصة الحاضرة؟
‏8-‏ أما الرُسُل فهم حُجَّة على من شهدهم واتصل بهم وسمع منهم مباشرة وأقنعوه، وليسوا ‏حُجَّة على من وصلته أخبارهم بعد آلاف السنين، مشتتة متفرقة إلى عشرات الأديان ‏والطوائف والمذاهب التي يُكفِّر بعضها بعضًا، والتي يفرض كل منها رؤيته على ملايين ‏الضعفاء بالتلقين وبحد السيف حيثما سيطر، فغالية البشر ليسوا أحرارًا حتى في اختيار ‏المذهب والطائفة التي يريدون، فأي عدل في محاسبة هؤلاء؟
أرجو المعذرة عن الإطالة، وعن أي إساءة قد أكون ارتكبتها عن غير قصد.‏

غير معرف يقول...

ملاحظة .. حصل خلط فوجب الاعتذار والتوضيح:

النقاط من 2 إلى 5 في التعليق أعلاه، تخص موضوع آخر وليس هذا الموضوع، وقد قمتُ بإدراجها هنا بطريق الخطأ .. فأرجو المعذرة ..

Boutchichi Houcine يقول...

1- أولا أخي أشكرك جزيل الشكر على اهتمامك وأعتذر إن كنت أسأت التعبير عن فكرتي, المهم هو المقارعة الفكرية وتبادل التجارب والخبرات, فالاختلاف هو الذي يثمر النمو المعرفي ويوسع الأفاق .
الكل يتفق على أننا لا يمكن أن نثق بالحواس لأنها تخدعنا باستمرار كما لا يمكننا أن نثق بالعقل لأنه هو الآخر معرض للزلل وهذا ما اتفق عليه الفلاسفة و المفكرون منذ عهد برامنيدس وهرقليطس وهذا الاتجاه الفكري هو الذي أنتج المدرسة الشكوكية , ومن هنا يمكن أن نقول أن محدودية قدراتنا الفكرية والحسية غير قادرة على الإحاطة بالحكمة الإلاهية .
الإنسان مستخلف من قبل الله لأنه اختار أن يحمل المسؤولية , فالكون كله مجبور على إطاعة الله فالشمس تشرق وفق سنن كونية مضبوطة والكواكب والمجرات تسير وفق مسارات محددة وموزونة وحتى الملائكة الكرام مجبولون على طاعة الله, الأنس والجن هما المخلوقان الوحيدان اللذان بامكانهما إطاعة الله أو عصيانه . فالله يسير كونه وفق إرادته ومشيئته ولكنه ترك لنا حرية جحوده أو الإيمان به فيمكنني أن أذهب للمسجد أو الكنيسة أو أعبد الشيطان أو أنفي وجود أي شيء سوى المادة ألا ترى أن المحاكم تجرم القاتل والسارق والمغتصب أليس ذلك دليل على وجود قوة الاختيار لذا الأنسان. ألا ترى أننا نميز بين الفعل الشنيع و الخير فقط بالفطرة كلنا نمتلك بوصلة داخلية ترشدنا إلى الخير وتحذرنا من أبواب المهالك .فلا يمكننا أن نحتج على الله تعالى أو نتحدث إليه كأننا أنداد له .
2- قلت بأنه لا يصح القول بأنه لم يكن ‏هناك كون ولا أي شيء غير العدم قبل 13.7 مليار سنة، وكأن هذه المدة الزمنية ‏المحدودة هي الأزل . علميًا ومنطقيًا لا يمكن لأي بداية إلا وأن تكون مسبوقة بشيء قبلها تنطلق منه، وهكذا ‏إلى الأزل، أي إلى ما لانهاية، ولذلك قلتُ بأن الانفجار العظيم إن حدث، فهو واحد في ‏سلسلة انفجارات كونية متعاقبة .أنت هنا تتحدث بمعيار عقلك الذي يعمل بمنطق السبب والنتيجة فليس بالضرورة أن تكون مناك بداية لكل شيء فكما قال أرسطو "إن كل متحرك لا بد له من مُحرِّك، وهذا المحرك لا يمكن أن يحتاج إلى محرك آخر يستمد حركته من غيـره، وإلا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية؛ فلا بد من أن ينتهي الأمر إلى محرك أولي أزلي يُحرِّك ولا يتحرك، أو يفعل في غيره ولا ينفعل بغيره، وإلا لَمَا كان أولًا، وذلك المحرك الأول هو الله أما قولك بالانفجارات الكونية المتعاقبة فهي مجرد نظرية تتحدث عن وجود ما لا نهاية من أكوان المتوازية فما يعرف بتعدد الأكوان أو الأكوان المتوازية لا يرقى لأن يكون فرضية علمية، فضلًا عن النظرية العلمية! وإنما هو أقرب للخيال والتوهم الفلسفي، العاري عن الأدلة المادية والبراهين العلمية.
3- أما قولك بأن المادة لا تفنى ولا ‏تُخلق من عدم .‏فلم تعد مسلمة فقد أثبت كازيميروجود جسيمات افتراضية تتخلق من العدم وتفنى في زمن لا يكاد يذكر. ويفسر العلماء تأثير كازيمير بأنها عبارة عن قوة طاردة في الكون تعمل على تمدد وتوسع الكون. والتي يسميها بعض العلماء بالطاقة المظلمة أو "طاقة الفراغ".
4- قولك بأن الكون قد انبثق من الله وليس العدم شبيه بقول أن الكرسي قد ابثق من النجار وليس من الشجرة .فشتان بين النجار والكرسي ولله المثل الأعلى.
5- أما قولك قصدتُ انعدام التناسب بين ‏تجربة أولى وقصيرة وبين عقوبة وجزاء أبديين، وبالتالي انعدام العدل والحكمة أنا سأسألك أين هو العدل عندما يقتل ويعذب الطغاة أمثال ستالين وهتلر وشارون وبشار الأسد وبوش ملايين الناس ويعيشون حياة هانئة وحتى إن حوكموا او أعدموا لن يعدموا إلا مرة واحدة لا تشفي غليل المكلومين والمظلومين لو أن لهم أف روح الن تقوم بإعدامهم ألف مرة على تلك الجرائم النكراء؟ ألا يجب ان يكون هناك يوما للحساب العادل ؟ وهل يقدر على هذا الحساب الا الله.
6- وقلت أيضا بأن الإنسان لا يعرف صواب فعله من عدمه إلا بنتائجه، أي بعد فوات الأوان فهل ‏من العدل في شيء أن يُحاسَب ويُعاقَب الإنسان على فشله في أمر غيبي وفي نفس الوقت تقول بأن الرُسُل حُجَّة على من شهدهم واتصل بهم وسمع منهم مباشرة وأقنعوه، وليسوا ‏حُجَّة على من وصلته أخبارهم بعد آلاف السنين . فالله تعالى أتمّ إنذاره للناس بإرساله الرسل إليهم، وجعلهم حجّة بينه وبينهم، وأوجب طاعتهم وتشريعاتهم، فقطع بذلك الطريق على المعاندين بأن يحتجّوا عليه بعدم البيان، وعدم وجود الحجّة .

غير معرف يقول...

بغض النظر عن اختلافنا وتباعد الزوايا التي ننظر إلى الكون من خلالها، فإن اهتمامكم بتعليقات القراء وكرمكم بالجهد والوقت الثمين المبذول في ذلك، لهو محل تقدير وجدير بالشكر ..
ملاحظة أخيرة: ما أثبته كازيمير في تجربته والذي اصطلح على تسميته تأثير كازيمير هو انعدام وجود الفراغ وليس انبثاق المادة أو الطاقة من عدم، ولذلك يُطلق العلماء على الفضاء الفاصل بين الكواكب والنجوم تسمية الفراغ الزائف، أما انبثاق شيء من عدم فهذا أمر مستحيل بكل المعايير، لكن محدودية قدرة البشر على الرصد هي التي كانت تدفعهم قديمًا إلى اعتبار كل ما هو غير مرصود غير موجود ، ويكفي في هذا الصدد أن نذكر استحالة وجود فراغ في أي نقطة في الكون، وقد أجاد التعبير عن ذلك أحد العلماء قديمًا حين سُئل عن تعريف الفراغ، فقال: لا يوجد فراغ بين شيئين، فإن ظلا مبتعدين فثمة شيء بينهما، فإن زال ما بينهما التصقا ببعضهما. لكن كثير من الناس لا يفرقون بين معنى العدم ومعنى اللا شيء، في حين أن اللا شيء هو العدم النسبي، والعدم هو اللا شيء المطلق، فأي شيء لا ينتمي إلى الأشياء التي نعرفها ولا ينتمي إلى الأشياء التي نستطيع رصدها فهو لا شيء بالنسبة لنا، أما العدم فهو نقيض الوجود أي الخواء التام أو الفراغ الحقيقي، وهو ما لا وجود له طالما كانت هناك ذرة واحدة في الكون أو أصغر قدر من الطاقة .. شكرًا لكم ..

Boutchichi Houcine يقول...

أشكر لك أخي الكريم تفاعلك وسعة صدرك, وقدرتك على النقد والتحليل ,فإذا كانت لك مقالات أو كتابات حصرية في أي مجال تود نشرها على صفحات مدونتنا فأرجو أن تتقدم بها على عنواننا الإلكتروني الخاص بالناشرين luxstuf@gmail.com كما أتمنى أن تشرفنا باسمك الكريم.

غير معرف يقول...

أخي الفاضل، أشكر لك اهتمامك ودعوتك الكريمة التي أتشرف بها ..
اسمي : أبو بكر سليمان النزال، وقد ذكرته في تعليق لي آخر في موقعكم الكريم ، في موضوع وحدة الوجود ..
بالنسبة للكتابة، فقد كان لي موقعي الخاص (الإنسان سؤال)، لكني توقفتُ عن الكتابة منذ سنوات، لأسباب خاصة، وإذا عدت للكتابة يومًا فسأتشرف بالكتابة معكم ..
شكرًا جزيلًا لك ..

غير معرف يقول...

تصحيح:
موضوعكم الآخر الذي لي عليه تعليق منشور وذكرتُ به اسمي ، هو: معلومات مدهشة عن الكون يجب أن تعرفها.
شكرًا لكم ..

Boutchichi Houcine يقول...

شكرا أخي سليمان أتمنى أن تتحفنا دائما بتدخلاتك الهادفة

إرسال تعليق