رأينا في موضوعنا السابق نتائج الغزو الدوري للحضارة الموكينية، والذي دام قرنين من الزمن من 1000 إلى 800 ق.م وما تمخض عنه من فوضى وتخلف وصل إلى فقدان اليونانيين لقدرتهم على الفراءة والكتابة مما ساهم في اندثار الكتابات الموكينية، لكن رغم كل مساوئ هذه الحقبة المظلمة. فإنها أتاحت للمجتمع اليوناني، المدة الزمنية اللازمة لاستيعاب العناصر الجديدة القادمة من الشمال. وما كان لا بد أن يتلو ذلك من امتزاج بين العناصر السكانية القديمة وهذه العناصر الجديدة، بما يعنيه ذلك من صراع وتداخل وتفاعل أدت في نهاية الأمر إلى قيام مجتمع جديد.  بدأ فيه اليونانيون باعتماد الأبجدية القادمة من فينيقيا بعد أن قاموا بتعديلها لتتناسب مع لغتهم، كما فرضت جغرافيا البلاد الوعرة والجبلية على شعوب المنطقة تقسيمات حدودية على شكل دويلات تتمتع كل منها بحكم ذاتي واستقلال اقتصادي وسياسي حيث تنقطع كل دويلة عن جيرانها عن طريق جزيرة، أو وادي أو بحر أو سلسلة جبلية. لينشأ مفهوم الدولة المدينة. بحلول القرن السادس قبل الميلاد ظهرت العديد من المدن التي تريد الهيمنة على مدن الجوار ومن أهمها: أثينا واسبرطة، كورنثوس، وطيبة. حيث أخضعت كل واحد منهم المناطق الريفية المحيطة بها والبلدان الصغيرة التي تخضع لسيطرتها، وأصبحت أثينا وكورنثوس القوى البحرية والتجارية الكبرى كذلك.
الحضارة الهلينية نهاية القرن 8 وبداية 6 قبل الميلاد
الجيش الاسبرطي كما صورته السينما الأمريكية

سمى اليونانيون أنفسهم بالهلينيين نسبة إلى قبيلة هيللوس  ولا يعلم المؤرخون سبب هذه التسمية رغم أنه كان لديهم اسم آخر ينعتون يه و هو الآخائيين الذي استعمله هوميروس في أشعاره ويرجح العلماء تفضيل انتسابهم إلى قبيلة الهيللينيين الصغيرة لكون هذه القبيلة تضم أقدم معبد لعبادة زفن أكبر ألهتهم .

اسبارطة

بعد تزايد الكتابات والأخبار انقشع الغموض عن بلاد اليونان, ومن جملة ما عرفناه عنها حروب ميسينيا عندما أرادت اسبارطة اخضاع ميسينيا الواقعة جنوب غرب البيلوبونيز. فيما بين عامي 740 - 720 قبل الميلاد قامت الحرب الميسينية الأولى، استطاعت أسبرطة من خلالها توسيع أراضيها بالاستيلاء على حصن جبل أتيوم وضم ميسينا (غربي أسبرطة)، أثناء حكم الملك تيوبومبوس.و بين عامي 660 - 640 قبل الميلاد، وقعت الحرب الميسينية الثانية، إذ وبعد ثمانين عاماً من الحكم الأسبرطي لـ ميسينيا، ثار أهالي ميسينيا ضد الحكم الأسبرطي، ودعمهم في عصيانهم حكام دويلات المدن اليونانية في الشمال والشرق والتي كانت على خلاف مع أسبرطة. 

وعندما تعاظمت الاضطرابات الاقتصادية والسياسية في ميسينيا وفقد العديد من الأسبرطيين أراضيهم التي اكتسبوها بعد الحرب الأولى، سارعت أسبارطة إلى فرض نفوذها في ميسينيا من جديد، وابتكر الأسبارطيون خلال الإعداد لتلك الحرب، التكتيك القائم على تجمع كتيبة مشاة مدججة بكافة أنواع السلاح (رماح، سيوف، تروس، دروع، واقيات أطراف)، وهذا التكتيك انتشر في حروب العالم بعد ذلك، من بعد الأسبارطيين. انتصرت أسبارطة في الحرب انتصاراً ساحقا، أعاد هيبتها إلى كافة المدن اليونانية، غير أنه صنع منها دولة جديدة، أو دعنا نقول دولة حربية بامتياز ! حيث كان الأطفال الضعاف أو المشوهين يلقون من أعلى قمم الجبال حيث يموتون أو تأكلهم الطيور الجارحة ، أما الطفل الذي يجتاز الامتحان فيرسل إلى المنزل ليقوم والده بتربيته حتى سن السابعة بعدها تقوم الام بتسليمه إلى الدولة لتتولى  استكمال تربيته ، فقد كانت الدولة في اسبرطة هي التي تسيطر على التربية وهي التي تقوم بالإشراف عليها الشيء الذي جعل كل مواطن ذكر في اسبارتا يصبح جنديا من جيش اسبارطة في حالة استعداد عسكري دائمة. حتى النخبة اضطروا للعيش والتدريب كجنود؛ هذه المساواة بين الأغنياء والفقراء خدمت لنزع فتيل الصراع الاجتماعي. هذه الإصلاحات، التي تعزى إلى الغامض ايكورغوس من سبارتا، والتي بلغت كمالها في 650 قبل الميلاد.
 كان المجتمع الأسبارطي يتكون من ثلاث قبائل، ويُربى الذكور بين 14 - 20 من أعمارهم من قبل الدولة ويتلقون تعليماً عسكرياً مكثفاً، ومن أعمارهم بين 20 - 30 يلتحقون بالجيش جميعاً، ومن هم أكبر من الثلاثين يجتمعون في نوادٍ رجالية في المدن، ويتناولون فيها وجباتهم سوية. ولعل السبب في هذه النزعة العسكرية أن موقع أسبارطة كان بعيدا عن البحر، ولم يكن أمامها من وسيلة لمقابلة ازدياد السكان سوى التوسع فيما حولها من بلاد مما جعلها سوط عذاب لجيرانها، وقد ظلت أسبارطة قوية ومسيطرة على معظم بلاد الإغريق بفضل قوتها ونظمها العسكرية لمدة مائتي عام، فلما سقطت تعجب الناس من أمر سقوطها ولكن ما من أمة حزنت عليها.

أثينا

عانت أثينا من أزمة الأراضي، والأزمة الزراعية في أواخر القرن السابع، مما أدى إلى حرب أهلية ثانية. وأجرى الأرخون (الحاكم الأول) دراكو إصلاحات قاسية للدستور القانونى في 621 قبل الميلاد ولكن لم تفلح في تهدئة النزاع. لتثور الطبقة العامة من جديد و يكلّف صولون بإيجاد حل للأزمة السياسية فقام بعدّة إصلاحات تمثلت خاصة في صياغة أول دستور لأثينا ليحدد بموجبه الركائز الأولى للحكم الديمقراطي ومما جاء في هذا الدستور
  •  إرجاع الحرية لكل من افتقدها من مواطني أثينا الذين تراكمت ديونهم.
  •   إقرار حق العودة إلى أثينا لفائدة كل المواطنين الذين أبعدوا و أجبروا على مغادرتها.
  •   تمكين الطبقة العامة من المشاركة في الحكم الديمقراطي لأثينا تطبيقا لما نصّ عليه دستورها
تم تلتها إصلاحات كل من كليستيناس و بريكلاس لتدعم الديمقراطية وتعزيز حقوق المواطنين ومكاسبهم
في النصف الثاني من القرن السادس، سقطت أثينا تحت طغيان بيسيستراتوس ثم أبنائه هيبياس وهيبارخوس.و مع ذلك، في 510 قبل الميلاد، وبتحريض من الأرستقراطي الأثيني كليسيثنس، ساعد ملك اسبارتا كليومينس الأول الأثينيون على إطاحة بملكهم الطاغية. بعد ذلك، انقلبت كل من اسبرطة وأثينا على الفور على بعضهما البعض، حيث وضع كليومينس الأول اساجورس في الولاية باعتباره ارخون اسبارطة المقبل. وكذلك لحرصه على منع أثينا من أن تصبح دمية في يد اسبارطة، رد كليستيناس عن طريق اقتراح لمواطنيه ان اثينا يجب أن تقوم فيها : حيث يشارك جميع المواطنين في السلطة السياسية، وبغض النظر عن الوضع : أصبحت أثينا "ديمقراطية ". حتى بحماس الأثينيين لم تأخذ هذه الفكرة لأنه بعد أن أطيح باساجوراس ونُفذت إصلاحات كليستيناس ، فإنهم تمكنوا بسهولة من صد الغزوات على ثلاث محاور بقيادة سبارطة. حيث عالج مجيء الديمقراطية العديد من العلل في أثينا، وأدى إلى "العصر الذهبي"لأثينا.

التعاليق

أحدث أقدم