النشاط الهرموني في أدمغة العشاق في فترات الفراق والصدمات العاطفية

 يعتبر الحب والعشق والهيام من أقوى المشاعر الإنسانية وفي المقابل يعتبر الفراق والإحساس بالرفض شعورا مدمرا للنفس والبدن على السواء.وهذه الأحاسيس البشرية كانت ولمدة طويلة حكرا على الشعراء والأدباء ولم يسلط عليها علم النفس والأعصاب الضوء إلا في العقدين الأخيرين . فكل شخص في العالم تقريبا عانى من هذا الفيضان من المشاعر ,فنحن البشر مستعدون للمعاناة على نحو شديد عندما نُرفَض مِنْ قِبَلِ شخص نعشقه.
آلام الفراق
في عام 1996م قامت عالمة الأعصاب لوسي براون من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك وعالم النفس آرثر آرون من جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك باستخدام تقنية تُسمَّى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لدراسة أمخاخ الرجال والنساء الذين وقعوا لِتوِّهم في الحب بجنون. أظهرت نتائج التصوير بالكثير حول المخ في حالة الحب (مجلة New Scientist، 2015). أهم ما فيها أنه عندما نظر الخاضعون للدراسة إلى صور أحبائهم، أظهرت أمخاخهم زيادة في النشاط في منطقتين: المنطقة السقيفية البطنية اليمنى في الدماغ الأوسط، وأجزاء منالنواة الذنبية  وهي منطقة كبيرة على شكل هلال بالقرب من المركز. تزخر المنطقة السقيفية البطنية بالخلايا التي تنتج وتوزع هرمون الدوبامين ( المنشط القوي ) على كثير من مناطق المخ،  كما أن هذه المنطقة أيضًا جزء من شبكة المخ التي تتحكم في الاستثارة العامة وتركيز الاهتمام والدافعية نحو الحصول على المكافآت. كما تتميز بغناها بمستقبلات الدوبامين .
        منطقة النواة الذنبية وسط الدماغ       

إن حقيقة ارتباط الشغف العاطفي الشديد في مراحله المبكرة مع المناطق الغنية بهرمون الدوبامين أظهرت لنا أن الحب الرومانسي ليس شعورًا في الواقع، ولكنه حالة تحفيزية بصفة أساسية تهدف إلى تحفيز سعينا نحو شريك معين نفضله. في الواقع، يبدو أن الحب الرومانسي دافع قوي مثل الجوع. فلا عجب في أن الناس في جميع أنحاء العالم يعيشون ويموتون  من أجل الحب.
لطالما قسَّم الأطباء النفسيون الرفض في العلاقة العاطفية إلى مرحلتين: «الاعتراض» ثم «الاستسلام أواليأس». خلال مرحلة الاعتراض، تسيطر على العشاق المهجورين فكرة استعادة محبوبهم مرة أخرى، فتعذبهم محاولة معرفة السبب وكيفية إحياء جذوة الحب. ويتسببون في إهانة أنفسهم في كثير من الأحيان والظهور بمظهر مؤثر عند منزل الحبيب أو مكان عمله، ثم يغادرون المكان بعنف وصراخ، وليس ذلك سوى مقدمة يليها العودة إلى التوبيخ أو التماس الحب من جديد، وفي سبيل ذلك يقومون باتصالات هاتفية ويرسلون البريد الإلكترونيَّ ويبعثون برسائل مكتوبة، ويعودون للأماكن المفضلة المشتركة ويزورون الأصدقاء المشتركين. وللأسف، كلما تشتد المحنة، يزداد الشغف الرومانسي. وهذه الظاهرة شائعة للغاية في المؤلفات النفسية (والحياة) لدرجة أني صُغْتُ لها مصطلحًا هو: «انجذاب مرحلة الإحباط». فعندما يتعرض الحب الرومانسي للإحباط، يشعر العاشق بحب أشد.
ما هي أنظمة المخ التي قد تقف وراء هذه السلوكيات الغريبة؟ يشير الأطباء النفسيون توماس لويس وفاري أميني وريتشارد لانون — وجميعهم من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو — إلى أن الاعتراض رد فعل أساسي لدى الثدييات تجاه فسخ أي ارتباط اجتماعي. وهم يعتقدون أنها ترتبط بالدوبامين، وكذلك بالناقل العصبي نورإيبينيفرين المرتبط به ارتباطًا وثيقًا؛ حيث تؤدي المستويات المرتفعة من هاتين المادتين الكيميائيتين إلى اليقظة المتزايدة وتحفيز الحيوان اليائس على طلب المساعدة والبحث عمن تركه؛ وهي الأم عمومًا.
ربما يساعد ارتفاع مستوى هرمون الدوبامين في تفسير العمليات الحيوية المرتبطة بالانجذاب في مرحلة الإحباط. وبما أن بحثنا يشير إلى أن نظام الدوبامين ينشط في مرحلة مبكرة من الحب الرومانسي، يمكن الاعتقاد أنه بينما يزداد نشاط الدوبامين خلال فترة الاعتراض، يشعر العاشق المرفوض بشغف أشد. وتنشط آلية أخرى في المخ أثناء مرحلة الاعتراض التي يمكن أن تزيد من الانجذاب في مرحلة الإحباط، وهي نظام التوتر. على المدى القصير يتسبب التوتر في تحفيز إنتاج الدوبامين والنورإيبينيفرين ويكبح نشاط السيروتونين، وهذا المزيج من الناقلات العصبية ذو التأثير القوي المذكور في كتاب «لماذا نحب؟» يرتبط بالحب الرومانسي ارتباطًا قويًّا. يا للسخرية! عندما يهجرك الحبيب، فإن شبكات المخ والمواد الكيميائية التي تخلق على الأرجح مشاعر الحب القوية تزداد.
ونتيجة لذلك، نحن مجبولون على المعاناة الشديدة عندما يفشل الحب؛ في البداية، نعترض على الرحيل ونحاول استعادة المحبوب مرة أخرى، ثم بعد ذلك نستسلم تمامًا، ونستعيد أنفسنا ونعيد توجيه طاقتنا نحو إيجاد الحب مرة أخرى.

                                           مجلة2015 New Scientist
                                                  كتاب "لماذا نحب؟"
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا