السبت، 2 مارس 2019

المرحلة السقراطية الفلاسفة العظام الثلاثة :سقراط


متتبعي مدونة محيط المعرفة الكرام، نواصل معكم رحلتنا التاريخية من أجل تقديم نظرة شمولية،  تمكننا من الاحاطة بتطور الفكر الفلسفي وتمثل ظروف نشأة المدارس الفلسفية، ونقاط الاختلاف بين تيار فلسفي وآخر، و انعكاس الفلسفة على تطور العلوم والسياسة وعلم الأخلاق...



بعد أن أنهينا حقبة ما قبل سقراط ممثلة في مجموعة من الفلاسفة على غرار: هيراقليطس و بيرامنيدس وبروتاجوراس وجورجياس و ديمقريطس سننتقل للحديث عن علامة فارقة في تاريخ الفلسفة الغربية، لكن الحديث عن سقراط جد عسير على المؤرخ ذلك أننا لا ندري هل نعلم عنه الكثير أم القليل، لأنه لم يخلف ولو سطرا مكتوبا بل كل ما نعرفه عنه، كتبه إثنان من تلامذته، هما أفلاطون وزينوفون ، اللذان  أسهبا في الحديث عن سقراط في مؤلفاتهم. ونرى من خلال مقارنة الروايتين أنهما اتفقا في الكثير من الجوانب واختلفوا في بعضها، ذلك أن زينوفون قد بالغ في دفاعه عن سقاط عندما اتهم بإفساد شبيبة أثنا إذ لو كان الأمر كما يصف لما أعدم سقراط.
ومن أبرز نقاط الاتفاق أن سقراط كان شغله الشاغل هو وضع أكفء الأشخاص في مراكز الحكم،  وكان يطرح اسئلة مثل إذا أردت أن تصلح حذاءك من ذا تستخدم من الناس؟ فيجيبه شاب صريح أستخدم حذاء يا سقراط. ويكرر نفس الشيء عن النجارين والبنائين  وغيرهم ثم يختم بسؤال كهذا ومن ذا يصلح سفينة الدولة؟
 فلما بدأ تأثير سقراط ينتشر، تصدى له كرتياس زعيم " الطغاة الثلاثين" ومنعه من تعليم الشبان في شوارع أثينا، خصوصا وأنه يعرف أساليب سقراط في الكلام،  لأنه تتلمذ على يديه قائلا له: خير لك أن تترك الحديث عن الحذائين والخبازين! فهؤلاء لا بد أنهم قد قتلوا من كثرة ما قيل عنهم في محاوراتك!  وهذه الأحداث وقعت زمن الحكومة الأولجاركية التي نصبتها إسبرطة على أثينا نهاية الحرب البيلوبونيزية ،  لكن ما يميز أفلاطون، أن روايته تصور سقراط شخصية متسقة الأجزاء،  تثير اهتمام القارئ إلى أبعد الحدود،  ومعظم الناس لا يستطيعون خلق شخصية كهذه بخيالهم، أما أفلاطون فيستطيع فعل ذلك،  أما إن كان قد اختلق تلك المحاورات وأجرى على لسان سقراط آراءه  فذاك موضوع آخر.
أما التهمة التي وجهت لسقراط في المحكمة، أن سقراط آثم في عدم عبادته للآلهة التي تعبدها الدولة، فضلا عن افساد شبيبة أثينا ، رفض سقراط أن يتولى أحد السوفسطائيين مهمة الدفاع عنه كما كان يفعل المتهمون في ذلك الزمان شأنهم شأن المحامين في عصرنا هذا، واستهل دفاعه عن نفسه " لقد جاوزت السبعين ولم أظهر في ساحات القضاء حتى اليوم، فلا بد أن تغفروا لي طريقة كلامي لأنها لا تنحو الصيغ القضائية! ويسأل سقراط: من المسؤول عن اصلاح الشباب في أثينا ؟ يجيب ميليتس مشيرا إلى السادة القضاة ثم يرغمه سقراط بأسئلته خطوة خطوة، حتى يقول أن الأثينيين كلهم مسؤولون عن إصلاح الشبان، ما عدا سقراط. وهنا يهنئ المدينة على حسن حظها ثم يتوقف ويسأل في حيرة: لكن كيف أمكن لشخص واحد أن يفسد ما يفعله الأثينيون مجتمعين؟ و يضيف: أن الإنسان خير له أن يعيش بين أناس أفاضل من أن يعيش مع قوم أراذل وعلى ذلك ،  يستحيل عليه أن يبلغ حدا من الغفلة، تجعله يفسد أبناء مدينته عمدا و إذ كان قد فعل ذلك من غير عمد، كان واجبا عليهم أن يرشدوه إلى سواء الطريق بدل أن يوجهوا له اتهاما، أما ردا على اتهام ميلتيس له بإنكاره لجميع الآلهة التي تعبدها الدولة وأن سقراط يقول بأن الشمس من صخر ملتهب والقمر من تراب فيجيب بأن المفروض أن يتوجه باتهامه لأناكساجوراس الذي يمكن أن يستمع أي شخص لآرائه على المسرح مقابل قطعة من النقود.
و بعد أن صدر حكم بإدانته قال : من ظن بأن الموت شر فهو مخطئ! لأن الموت إما أن يكون نوما أبديا من دون أحلام وهو خير لا شك فيه، وإما أن يكون انتقالا للروح إلى عالم آخر، وهو ثمن بخس يمكن للمرء أن يدفعه للحديث مع ارفيوس و موزيوس وهوزيود وهومر... ففي العالم الآخر على الاقل لا يقتلون الناس بسبب طرحهم الاسئلة ولن يمنعوني من البحث عن المعرفة فهم يقينا لن يفعلوا ذلك وهم أصحاب الخلود وإن كان ذلك حقا فأميتوني مرة بعد مرة. لقد حانت ساعة الرحيل وستفترق بنا الطرق أما أنا فإلى الموت أما أنتم فإلى الحياة والله وحده أعلم أيهما خير".
 إن هذا الجزء اليسير من دفاع سقراط عن نفسه يقدم لنا صورة واضحة عن رجل من طراز خاص شديد الثقة بالنفس يسمو بتفكيره عن السفاسف ويعتقد بأنه مهتد بصوت مقدس يجعل منه شهيد الفضيلة. كما أن جملته الأخيرة توحي بإيمانه الشديد بالخلود بعد الموت وأن تشككه المزعوم الذي يظهره لا يصور حقيقة نفسه كما أن مخاوف العذاب الأبدي لا تقلق باله.
ومما يروى عن سقراط كثرة تفكيره، حيث في مرة شوهد واقفا متخشبا في العراء يتأمل من الفجر حتى المساء،  ففرش مجموعة من الناس حصرهم على مرأى من سقراط ورقدوا هناك ليرقبوا هل سيظل سقراط واقفا كل الليل? فلما بزغ الفجر وسطعت الشمس توجه بالدعاء للشمس وانصرف عائدا إلى بيته.
ويجمع الكل على أن سقراط كان شديد الدمامة،  أنفه أفطس وكرشه كبيرة،  يرتدي ثيابا شعثاء بالية يسير حافي القدمين لا يأبه لا بحر ولا ببرد. شارك في الجندية وعرف بجلده وقوته حيث كان يسير حافي القدمين في الصقيع وكل الجنود يلبسون أحذية وألبسة ثقيلة ورغم ذلك تفوق عليهم في المسير. كما عرف بسيطرته على نزواته فلم يكن يشرب الخمر إلا نادرا،  لكن إدا شرب لا يقدر أحد على مجاراته. فوصفه أفلاطون بالقديس الأورفي لكنه لم يقبل من هذا المذهب إلا التعاليم الرئيسية ونبذ منه الخرافات والطقوس التطهيرية.

فلسفة سقراط

مهد سقراط الأفلاطوني الطريق للرواقيين والكلبيين من بعده، فالرواقيون يرون الخير الأسمى في الفضيلة، وأن الإنسان لا يفقد فضيلته لأسباب خارجية، وذلك يظهر جليا في قول سقراط للقضاة أنهم لا يستطيعون أن يلحقوا به ضررا. ويتفق أفلاطون وزينوفون على أن "سقراط" كانت لديه الفرصة للهرب، حيث كان بإمكان تابعيه أن يقدموا رشوة لحراس السجن. لكنه اختار البقاء لأنه كان يعتقد أن الهروب قد يشير إلى خوفه من الموت وهو الخوف الذي اعتقد بأنه لا وجود له لدى أي فيلسوف حقيقي. واحتقر الكلبيون أنعم هذه الحياة وبرهنوا على ازدرائهم لها باجتنابهم لأسباب الترف وهي نفسها الفكرة التي دفعت بسقراط  للمشي حافي القدمين مهلهل الثياب.
إن أول ما كتب أفلاطون في محاوراته تجسدت فيها نزعة سقراط لمعرفة الأحكام الأخلاقية فمحاورة شارميدس معنية بتعريف الاعتدال وليسيس اهتمت بمفهوم الصداقة ولاخس تمحورت حول مفهوم الشجاعة وخلص سقراط إلى أن لا أحد يقترف الخطيئة عن عمد فكل ما يعوز الناس هو المعرفة ليكون الجميع على فضيلة كاملة وبأن ارتكاب الأخطاء هو نتيجة للجهل وأن من يرتكبون الأخطاء يفتقرون إلى معرفة ما هو صحيح.  .
لقد قرن سقراط بين الفضيلة والمعرفة، التي لا يمكن أن نصل إليها إلا بالجدل،  والذي سيسمى لاحقا بالجدل السقراطي أي الطريقة التي تلتمس الوصول للحقيقة عن طريق السؤال والجواب بشكل مطرد، والتي كان يهدف من خلالها استخراج المعرفة من نفس سائله. ففلسفة سقراط ترتكز على كون الفضيلة نزعة مغروسة في النفوس البشرية ولا سبيل لاستخراجها إلا بالتذكر. والمنهج السقراطي هو منهج انتقائي قائم على التخلص من الافتراضات، والذي يكون بالعثور على الافتراضات الصحيحة عن طريق تحديد الافتراضات غير الصحيحة والتي تؤدي إلى التناقضات ثم التخلص منها. وقد تم تصميم هذا المنهج بحيث يجبر المرء على مراجعة معتقداته وتحديد مدى صحتها. وفي الواقع، قال "سقراط" ذات مرة: "أعرف أنكم لن تصدقوني ولكن أبرز صور التفوق الإنساني هي مساءلة الذات ومساءلة الآخرين".
               المراجع المعتمدة
  الدفاع عن سقراط لأفلاطون
  لاخيس (حوار حول الشجاعة(لأفلاطون
  خارمنيدس (حوار حول المثابرة(لأفلاطون
 محاورة شارميدس (حوار حول الاعتدال (لأفلاطون
وليسيس (حوار حول الصداقة(لأفلاطون
الممورابيليا أو "ذكريات عن سقراط" لزينوفون

اشترك على قناة عذب الكلام

0 التعليقات

إرسال تعليق