الخميس، 28 يونيو 2018

تأملات في فكر محمد عابد الجابري : تحليل كتاب تكوين العقل العربي

ظهرت على الساحة العربية العديد من المشروعات النهضوية، لتتدارك الفجوة السحيقة التي تفصل الأمة العربية الإسلامية عن نظيرتها الغربية، وما نتج عن ذلك من احباط ويأس وحتى شعور بالدونية . فالغرب يلامس عنان السماء بمخترعاته واكتشافاته التي بلغت أقاصي الكون، وطوعت المادة، وأدخلتنا عالم الكوانتم والنانو في حين لازلنا نصطف لذا العرافات وننشد الخلاص عند المشعوذين، ونذكر من جملة هؤلاء المفكرين: طه احسين وأحمد أمين و محمد أركون وحسن حنفي، والذين تعرضوا للحضارة الإسلامية والعربية من وجهة نظر نقدية، ولكن يظل مشروع محمد عابد الجابري الأشمل والأكبر والأدق والأقرب للواقع العربي وملامس لحيثياته التاريخية والسياسية والأخلاقية.
تحليل كتاب تكوين العقل العربي
تحليل كتاب تكوين العقل العربي


محمد عابد الجابري مفكر وفيلسوف مغربي،  كتب أكثر من ثلاثين مألفا أشهرها "نقد العقل العربي" والذي سنتناول تحليل جزئه الأول،  والمسمى بتكوين العقل العربي ونرجئ الحديث عن الأجزاء الثلاثة المتبقية :بنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي، لمقالات لاحقة بإذن الله . درس الجابري بفرنسا وتشبع بمبادئ وفلسفة المدرسة البنيوية التي تعمل على دراسة الظاهرة كبِنية منعزلة عن أسبابها وعللها، وعما يحيط بها، وتسعى إلى تحليلها وتفكيكها إلى عناصرها الأولية من أجل فَهمها وإدراكها، والتي ترفع شعار "النص ولا شيء غير النص" باعتباره نصا ماديا منغلقا على نفسه فالنص الأدبي منغلق في وجه كل التأويلات غير البريئة التي تعطيه أبعادًا اجتماعية أو نفسية أو حتى تاريخية، ومادي في كونه قائمًا على اللغة.
يرى الجابري بأن سبب فشل المحاولات الإصلاحية السابقة هو اهمال المفكرين للكيفية التي تكون بها العقل العربي،  في حين أنه يعتبر أساس كل نهضة،  وحجر الزاوية في كل تقدم. وقد عرف الجابري العقل بكونه الأداة المنتجة أما الفكر فهو محتوى هذا العقل،   ليميز العقل عن الفكر، مثلما ميز الفلاسفة العقل عن المعقولات، وأن العقل العربي قد تشكل بناء على جملة من المعطيات ساهمت في تحديد سلوك وطريقة تفكيره، منها الواقع العربي بكل مظاهره وخصوصياته. في الفصل الثالث من هذا الكتاب نجد الجابري يختار عصر التدوين كاطار للفكر العربي،  تلك المرجعية التي لم تكن دائما في مصلحة العقل العربي الذي ظل مشدودا إلى ذلك العصر غير قادر على تجاوزه أو تكييفه،  يقول الجابري في كتابه “إن عصر التدوين هذا، كما بينا ذلك في الفقرة السابقة، هو في ذات الوقت الإطار المرجعي الذي يتحدد به ما قبله، فصورة العصر الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي إنما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، وليس العقل العربي في واقع الأمر شيئا آخر غير هذه الخيوط بالذات، التي امتدت إلى ما قبل فصنعت صورته في الوعي العربي، وامتدت إلى ما بعد لتصنع الواقع الفكري الثقافي العام في الثقافة العربية العامة، وبالتالي مظهرا أساسيا من مظاهرها” قسم عابد الجابري العقل العربي إلى ثلاثة بنى أساسية: العقل البياني- العقل العرفاني- العقل البرهاني.

العقل البياني:

وفي هذا العصر تم جمع شتات اللغة العربية، والتقعيد لها على يد الفراهيدي الذي نوه عابد الجابري بنبوغه الرياضي وحسه الموسيقي، الذي مكنه من استنباط الأوزان الشعرية، وتأسيسه لعلم العروض واستخراجه لجميع الألفاظ التي يمكن أن تتركب من الحروف الهجائية خوفا عليها من اللحن. ويقول الجابري" لقد اتجه جامعوا اللغة ورواتها إلى البـادية والى الأعـراب الأقـحاح، وأصبـح  هؤلاء الأعراب الحفاة العراة مطلوبين بكل الحاح وكان أهـم شرط وضعـوه فيـمن يصـح أخـذ اللغـة عنـه، أن يـكون خـشنا في جـلده، فصيحا في لسانه… ولقد أدى التهافت على الأعراب والاعتماد عليهم في ضبط اللغة وتقعيدها أن أصبح العلماء يعتبرون الأعراب معصـومون من الخـطأ اللغـوي ليـس بسبب إيمانهم بذلك بـل من أجـل أن لا ينسـحب الخـطأ على القـواعد التي شيـدوها انـطلاقا من نطقـهم وكلامـهم. "  نعم إنه الأعرابي صانع اللغة كما وصفه الجابري  والذي كان يشترط فيه الجهل بالكتابة،  مما جعل حدود هذه اللغة محدودة بعالم أولئك الأعراب.  فطريقة الفراهيدي جعلت اللغة العربية في قوالب جامدة نهائية لغة محصورة الكلمات مضبوطة التحولات لغة لا تاريخية لأنها لا تتجدد بتجدد الأحوال ولا تتطور بتطور العصور. وبقيت اللغة العربية ومازالت منذ زمن الفراهيدي لم تتغير لا في نحوها ولا في صرفها ولا في معاني ألفاظها،  وكلماتها ولا في طريقة توالدها الذاتي. لغة تعلو على التاريخ ولا تستجيب لمتطلبات التطور ولذلك انتقمت اللغة لنفسها وأفرزت لهجات عامية كانت ولا تزال أغنى بكثير من اللغة العربية الفصحى في التواصل اليومي.

العقل العرفاني:

ويقصد به الجابري ذلك الموروث القديم الذي تسرب للحضارة العربية والإسلامية من بلاد فارس، وبلاد اليونان، ومخلفات العصر الهلنستي من (هرمسية، أفلاطونية محدثة…)، الذي اندمج في الثقافة العربية الإسلامية في إطار”تداخل الثقافات” فوظفته الثقافة العربية الإسلامية  توظيفا جديدا وأضفت عليه معنى آخر إسلاميا. إن الموروث الثقافي القديم قد دخل كجزء لا يتجزأ في الثقافة العربية الإسلامية. كيف لا وقد كانت موطنه لمدة 10قرون، قبل عصر التدوين، على سبيل المثال: الإسكندرية، إنطاكية، أفامية، حران، ونصيبين، ثم بغداد، ومن قبلهما جميعا أرض بابل ومصر واليمن. واعتبر الجابري الهرمسية وعلومها أول ما اصطدم به المسلمون من علوم الأوائل كما اعتبر الشيعة أول من تهرمس في الإسلام،  فضلا عن كونها ترتبط بالسحر فإنها عقيدة دينية مباينة ومخالفة للعقيدة الإسلامية، وهذا ما قد يفسر لنا ذلك العداء الذي التزمه أهل السنة حيال علوم الأوائل. فهو عداء يعود في جوهره إلى العقيدة الهرمسية التي كانت تباطن هذه العلوم وتؤسسها. وقد كانت حركة الترجمة التي قادها”خالد بن اليزيد” وراء تعرف المسلمين على الهرمسية وعلومها. إن الموقف العرفاني هو موقف سحري بالدرجة الأولى، قوامه رؤية سحرية للعالم. إن العرفاني أو العارف يعمل على تزكية أناه ويجعل من نفسه ذرة الخير في عالم جله أو بعضه شرّ. إن العارف يعتبر نفسه كائنا إلهيا، لا يعترف بحدود المكان أو الزمان أو الطبيعة أو السنن الكونية، وهو يفسر خرقه للعادة (حلول، تسرمد، السفر عبر الزمن، الكشف). وقلبه للطبائع وإتيانه الشيء من اللاشيء، هو من صميم قدرته وعرفانيته ككائن إلهي. وهدا لا محالة سيلغي العقل. ويحلّ محله الوصال والكشف، ويلغي المعرفة النظرية الاستدلالية، ويكرس المعرفة اللدنية والدي لخصه الجابري في عبارة العقل المستقيل  وأمام هذا الإلغاء والإقصاء يكون من حق العقل أن يدافع عن نفسه ويؤكد ذاته كنظام معرفي يوازي البيان والعرفان، إننا نلمح هنا إلى “البرهان” كنظام معرفي حاضر في الثقافة العربية الإسلامية وإليه سنتجه الآن بالسؤال؟

العقل البرهاني:

لقد اتجه العقل العربي إلى منطق أرسطو هروبا و مقاومة للغنوص المانوي والعرفان الشيعي، أي مصدر المعرفة التي تدعيه وتنفرد به الحركات المعارضة للعباسيين غير أن حضور النظام المعرفي البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية، والاستنجاد بالعقل الكوني  لأرسطو ومنطقه وفلسفته  لم يكن من أجل البرهان أو أرسطو. بل هو حضور واستنجاد يدخل في إطار استراتيجية الدولة العباسية أو لنقل سياستها، والتي كانت تروم الرد على خصومها الإيديولوجيين(الغنوص المانوي، العرفان الشيعي، والباطنية).
فبينما لجأ الخصوم المناوئون للخليفة العباسي إلى العرفان والعقل المستقيل، توجه المأمون إلى العقل الكوني اليوناني ليعزز به جانب المعقول الديني”البيان”، كما كان قد تقرر وتكرس في الواقع السياسي عن طريق المعتزلة. كما تجدر الإشارة إلى أن تطور طبيعة البرهان داخل الثقافة العربية الإسلامية سيكون بدوره محكوما بذلك الصراع بين البيان والاديولوجية السنية، والعرفان والاديولوجية الشيعية.

خلاصة

ومن هنا سيقف البرهان صامدا في وجه العرفان، بل سيتحالف مع البيان ضد هذا الأخير. إن الأستاذ الجابري يحدثنا عن اللقاء التاريخي بين المعقول الديني العربي وبين المعقول العقلي اليوناني الأرسطي، كلقاء استهدف الوقوف أولا وأخيرا في وجه العقل المستقيل. يقول الجابري في كتابه “بنية العقل العربي”: “ورث العرب مركبا جيولوجيا من الآراء والمعتقدات والفلسفات تعلوه قشرة سميكة من منتجات العقل المستقيل الهرمسي فكان دورهم التاريخي العلمي، يتمثل في تجاوز هذه القشرة إلى "معادن" العلم والعقل، إلى العقلانية اليونانية التي كانت تمثل الخلاصة التاريخية لتطور العقل البشري ومعارفه إلى عصرها، وقد فعلوا ذلك جزئيا، وجزئيا فقط بسبب أحد معطيات "الموروث الإسلامي" الخالص ذاته».
ومن هذا المنطلق يرى عابد الجابري أن المعارضة الشيعية استطاعت أن تستقطب الفئات الاجتماعية المضطهدة والمحرومة موظفة منتجات العقل المستقيل فتراجع الطابع التقدمي لصالح التوجه اللاعقلاني والنتيجة تعميم الرؤية اللاعقلانية على الصعيد المعرفي والايديولوجي وتكريس الأوضاع المتخلفة الاقطاعية على الصعيد الاجتماعي.

                                    كتاب تكوين العقل العربي للمفكر والفيلسوف محمد عابد الجابري

0 التعليقات

إرسال تعليق