كيف تؤثر الجاذبية والسرعة على مرور الزمن؟


لقد أحدثت النسبية ثورة عارمة في فهمنا للكون وجعلت العلماء يغيرون من معتقداتهم حول ماهية المكان والزمان، لكن لا يزال إدراك العامة غير مستوعب لهذه الحقيقة الكونية وهل بالفعل يمكن للزمن أن يتمدد أو حتى يتوقف عند حواف المجالات الجذبية الهائلة كالثقوب السوداء العملاقة القابعة في مركز كل مجرة؟ هذا ما سنحاول توضيحه من خلال بعض التجارب الذهنية، متبعين منطق أينشتاين لإثبات أن الزمن لا بد أن يتأثر بالجاذبية أو السرعة.
كيف تؤثر الجاذبية والسرعة على مرور الزمن؟
كيف تؤثر الجاذبية والسرعة على مرور الزمن؟

 تخيل سفينة صاروخية طويلة جدا منطلقة في الفضاء بسرعة منتظمة بحيث يقطعها الضوء من قمتها إلى أسفلها في ثانية واحدة (القمر يبعد عن الأرض بحوالي 3 ثواني ضوئية)، وافترض وجود مشاهد في قمة السفينة وأخر في أسفلها، ومع كل واحد منهما ساعة مضبوطة تماما مع الأخرى وتدق كليهما مرة واحدة ف كل ثانية بالضبط. وافترض أن المراقب الموجود في قمة السفينة يرسل لحظيا إشارة ضوئية مع دقة الساعة التالية، فبناء على هذا النظام فإن كل إشارة تقطع المسافة بين المراقبين في ثانية واحدة.
كيف ستختلف هذه الصورة لو كانت  هذه السفينة الصاروخية تتسارع ببطء حتى تصل إلى سرعة الضوء, وحيث أن السفينة تتحرك إلى الأعلى فإن الإشارة الضوئية الأولى ستقطع مسافة أقل وستصل في زمن أقصر من ثانية واحدة,  وبسبب التسارع المطرد فإن السفينة ستتحرك أسرع فأسرع من ذي قبل مع كل إشارة ترسل، وهكذا ستقطع كل إشارة مسافة أقصر من الإشارة التي قبلها وستصل في زمن أقصر , وسيرصد المراقب أسفل السفينة زمنا بين الإشارات أقل من ثانية واحدة ، ولن يتفق في قياس الزمن مع المراقب الموجود في قمة السفينة , والذي  سيؤكد أنه أرسل الإشارات بفارق ثانية واحدة بالضبط. وإذا افترضنا جدلا أن السفينة وصلت إلى سرعة الضوء وهذا مستحيل فيزيائيا لأن كتلتها في هذه الحالة ستكون لا نهائية فإن الزمن سيتوقف نهائيا.
وحتى لو كانت السفينة لا تتسارع ولكنها موجودة في حقل جاذبية كمنصة إطلاق على سطح الأرض مع التذكير أن طول السفينة يبلغ ثلث المسافة بين الأرض والقمر، فإن الإشارات التي يرسلها المراقب في قمة السفينة بفارق ثانية واحدة (تبعا لساعته) سيستقبلها المراقب أسفل السفينة بفاصل أقل من الزمن (تبعا لساعته)، إنه شيء مرع حقا. 

وقد تظل تتساءل عما إذا كانت الجاذبية تغير من الزمن أم أنها مفسدة للساعات فحسب. ولنفترض أن المراقب أسفل السفينة قد يتسلقها ليصعد إلى المراقب في قمتها ليقارنا ساعتيهما، اللتان ستكونان متماثلتان وتشيران إلى نفس طول الثانية. فليس هناك أي خطأ في ساعة المراقب أسفل السفينة، فساعته تقيس سريان الزمن المحلي مهما كان ذلك السريان.

وهكذا فإن النسبية الخاصة تدلنا على أن الزمن يسري بطريقة مختلفة بالنسبة للمراقبين الذين يتحركان بالنسبة لبعضهما البعض، بينما تدلنا النسبية العامة على أن الزمن يسري بطريقة مختلفة بالنسبة للمراقبين على ارتفاعات مختلفة في مجال الجاذبية وكلما كان مجال الجاذبية أقوى أصبح تأثيره أكبر. وبهذا تكون النسبية قد وضعت النهاية لفكرة الزمن المطلق.

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا