المعتزلة ومبررات تسميتهم بهذا الاسم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع اليوم سنخصصه للحديث عن سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم.


المعتزلة ومبررات تسميتهم بهذا الاسم
المعتزلة ومبررات تسميتهم بهذا الاسم

لقد اشتد النقاش حول هذه النقطة بين الأوساط الفكرية، فبالبغدادي كمتطرف أشعري يرى بأن السنيين هم الذين أطلقوا عليهم اسم المعتزلة لاعتزالهم أقوال الأمة بأجمعها في 'مرتكبي الكبيرة' أو 'مجرمي الأمة' وتقريرهم بأنه منزلة بين منزلتين. ويؤكد الشهرستاني في مؤلفه الملل والنحل بأن واصل ابن عطاء (80 - 131هـ) هو المؤسس لمدرسة الاعتزال حين اختلف مع أستاذه الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة، متفردا برأيه في أسطوانة من أسطوانات مسجد أستاذه متمردا ومنعزلا، هي ظاهرة جديدة في الفكر الإسلامي، تثير إشكالية حرية الرأي والتحاور مع الآخر، والإقرار بالتعددية ونبذ الأحادية. وعلى أي فهي ظاهرة تستوجب مزيدا من البحث العلمي، إذ سرعان ما التف حوله الطلبة المتعطشون إلى العلم وحرية الرأي في التفكير، انطلاقا من أن العلم ليس ملكا لأي أحد وأنه لا وطن له.
واحتراما للفكر فإن أستاذه لم ينازعه ولا لام عليه اعتزاله، وهو من أقوى علماء عصره وأشهر نابغيه، وإنما خاطبه بقوله 'اعتزا عنا واصل' فسمي أصحابه بـ المعتزلة.
ويذكر ابن خلكان في كتابه 'وفيات الأعيان' أن قتادة بن دعامة 'السدوسي' الذي يعتبر بحق من رجالات التابعين، ومن فطاحل العلماء، ومن أشد أصدقاء الحسن البصري هو الذي أطلق عليهم هذه التسمية، ذلك أنه قصد مجلسه للانصات والاستفادة من علومه وكان ضريرا يعتمد على الحسيات دون المرئيات، فلما استبان أن اصغاءه منصب على 'عمرو بن عبيد' الذي التحق 'بواصل' تنحى عنه قائلا:
إنما هؤلاء معتزلة.
ويؤكد أحمد أمين أن سبب هذه التسمية يعود إلى آراء ثلاثة:

  1. ان انتقال واصل إلى حلقة أخرى بجانب أستاذه والتحاق عمرو به (145هـ) كان من أسباب التسمية ولكنه ما لبث أن عاد ليؤكد أن التسمية 'بالجوهر لا بالعرض' لأن اعتزال مذهب ذو مبادئ لا مجرد انفصال شكلي...
  2. والرأي الثاني، أطلق عليهم ذلك لاعتزالهم الأقوال المحدثة في 'مرتكب الكبيرة'، ويذكر المسعودي في 'مروج الذهب' سموا بالمعتزلة لأنهم عزلوا مرتكب الكبيرة من المؤمنين والكافرين معا.
  3. ان الاعتزال موجود قبل تمرد واصل على الحسن البصري، ذلك أن قيس بن سعد والي البصرة كتب لعلي ما نصه (إن قبلي رجالا معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم الناس فنرى ويرى رأيهم، فرأيت أن أكف عنهم، وإلا أتعجل في حروبهم، لعل الله أن يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله).
ونفس المعنى قد ورد عن ابن الأثير إذ يقول (سموا بالمعتزلة لاعتزالهم بيعة علي). ويعترض المستشرق ليبرج على هذه التسمية، كما هو منصوص عليه في وفيات الأعيان لابن خلكان. ويذكر المستشرق جولدير أنهم سموا بالمعتزلة لاعتزالهم المحيط بهم، ونهجهم حياة الزهد والتقشف، واعتزال الناس. والسؤال الذي يطرح نفسهتبعا لمعطيات التحليل هو ما يلي:
ماهو رد فعل المعتزلة إزاء هذه المزاعم؟
إن تلمس الإجابة على هذه المزاعم يتجلى فيما يلي:
إن المعتزلة لم تستكن نفوسهم ولم تطمئن ضمائرهم إزاء هذه الادعاءات التي تتموج وسط خضم هذه التموجات المثيرة حولهم، حقا أن ذلك قد حز في نفوسهم وآلمهم، ولكن استعاضوا هذا القلق بكونهم حاملي لواء العلم وشعاع الفكر، وبكونهم وضعوا لبنات للبحث العلمي قبل ظهور الأكاديمية ولذلك فهم أسعد الناس علما، وأغناهم ثقافة وأخلدهم تراثا للإنسانية والحضارة والتقدم العلمي، ويستدل 'المرتضى' في كتابه 'المنية والأمل' بقوله تعالى في هذا المضمار:
(واهجرهم هجرا جميلا). 
ثم يقول:
من اعتزل الشر سقط في الخير.
غير أن الدكتور زهدي جار اللهيعلق على ذلك بقوله:
إن أهل السنة قد أظهروا كراهتهم للاعتزال، ونبشوا أعراض المعتزلة، بإبراز مثالبهم والتغاضي عن قيمتهم العلمية.
فأعطوا بذلك صورة مشوهة للحقيقة العلمية التي حمل المعتزلة لواءها منذ القرن الثاني الهجري، وقد أدت هذه الأخطار التاريخية إلى حرمانهم من العناية والرعاية فعوملوا من طرف هؤلاء كما عوملت الدولة المرابطية من طرف شقيقتها الدولة الموحدية، ومع شديد الأسف لهذا التعصب العمى، فنحن نعلم مدى اهتمام الجامعات والكليات بدراسة هذا الفكر الخلاق الذي يعتبر نتاج الحضارة وثمرة عصارتها.
وإلى لقاء قريب مع موضوع جديد على مدونتكم الثقافية محيط المعرفة.
مجلة آفاق تربوية العدد 8/9/1994 

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا