إدارة الحوارات الصعبة والنقاشات الحادة من منظور علم النفس


الحياة مليئة بالحوارات الصعبة ومع ذلك فنحن جميعا نتجنب هذه الحوارات، فهل هناك من شيء يمكن أن يجعل هذه الحوارات أقل صعوبة؟ كان كل من "دوجلاس ستون " وبروس باتون" و"شيلان هين" يستهدفون إيجاد طريقة تجعل التواصل الثنائي في جميع الظروف أكثر فاعلية وكفاءة. لقد عملوا مع طلبة الجامعة ومع المهنيين والسياسيين والتجارأثناء حواراتهم ولقاءاتهم للتوصل لأساليب جديدة لفهم آلية الصراع والتفاعل أثناء هذه النوعية من النقاشات، ومن المواقف الأكثر صعوبة التي تم رصدها: تبرير موقف يظهر فيه خطأ المتحدث ,التخلص من شخص ملحاح، هدم علاقة طويلة وحميمية، اخبار شخص عزيز بقرار نهائي قد يسبب له ضرر نفسي ...
إدارة الحوارات الصعبة والنقاشات الحادة من منظور علم النفس
 نموذج للنقاشات الحادة

ويشبه علماء النفس توصيل الرسائل الصعبة بإلقاء قنبلة يدوية مغلفة بالسكر تحدث آثرا تدميريا سواء ألقيتها بقوة أو بنعومة، فليس الحل هو إلقاؤها بطريقة "دبلوماسية" فليس هناك من ضمانة في أن لطفنا أثناء توصيل الرسالة سيخفف من وقع أثرها، يرى دوجلاس ستون وزملاؤه أن الحل يكمن في طريقة أطلقوا عليها اسم "الحوارات التعليمية" وهي طريقة جديدة تتطلب جهدا حتى تتمكن من إجادتها والسيطرة عليها لكن الأهم أنها تقلل الضغوط الناتجة عن تفاعلاتنا مع الناس بصورة هائلة. ويؤكد الفريق أن الحوارات الصعبة هي في حقيقتها ثلاثة حوارات، فقبل الحديث وبعده تنشأ ثلاثة نقاشات داخلية تتضمن تصورنا للموقف وما يمثله لنا المعنى.

حوار ماذا يحدث:

ماذا يحدث عندما نفحص النتيجة من منظورنا، على من يقع اللوم ومن المحق؟ المشكلة هنا أننا لا نراجع أبدا رؤيتنا الأولية، فالموضوعية تستدعي الحصول على الحقائق بصورة صحيحة، وليس حول "ماذا يقصد محدثنا؟". إن هذه النقاشات هي عبارة عن صراعات في المدركات والتفسيرات والقيم الأساس لكل منا, فعندما نوجه وعينا لاكتشاف كيف يرى محدثنا الأمر من منظوره الذي يختلف بطبيعة الحال عن منظورنا، سيحدث انخفاض في فورة وكثافة انفعالاتنا، وبدلا من أن أعتبر تصوري على أنه حقيقة سأعتبره مجرد تصور.

حوار المشاعر:

ما هو شعوري تجاه ما قيل؟ هل لمشاعري ما يبررها؟ ما الذي ينبغي أن أفعله إذا شعر محدثي بالغضب والألم؟
تدخل النقاشات الحادة الكثير من المشاعر القوية، ومع ذلك فلا يتم التعبير عن هذه الانفعالات في الغالب. فعندما يتحدث اثنان. فثمة حوار مواز يجري في عقل كل منهما بشأن ما يشعر به نحو التفاعل.
إذا اخذنا في عين الاعتبار أن المشاعر قد تعتم على إصدار الحكم الصحيح، وتجعل الأمور غير مريحة، ألا ينبغي أن نحاول التحرر من المشاعر تماما؟ هل علينا الالتزام بالحقائق فقط؟ رغم أن هذه الفكرة قد تبدو جيدة فإن باتون ورفاقه يؤكدون بإن تجريد الحوارات من المشاعر هو أشبه بأوبرا بدون موسيقى فالمشاعر والانفعالات هي لغة خاصة يستعملها عقلنا الباطن ليتواصل معنا. لكن الأهم أن نغربلها ونتأكد من صحتها قبل أن ننساق وراءها.

حوار الهوية:

هل يهز ما قلناه لمحدثنا أو ما قاله شعورنا بهوياتنا؟ هل جعلنا الحوار نشعر فجأة بأننا أشرار من داخلنا، أو نفتقر إلى الكفاءة؟ إن حوار الهوية يدور حول تصورنا واحترامنا لدواتنا.
إذا كان لدى الموظف موعد مع رئيسه ليطلب منه زيادة في الراتب فإنه سيشعر بالعصبية، لأنه سيناقش مديره حول تقدير قيمته، إنها ليست مسألة مال بل أنها مسألة تتعلق بشخصه وهويته، والمدير الذي يريد فصل موظف مهمل وعديم الكفاءة فما الذي يقوله هذا الحدث عن المدير هل هو شخص قاس ومعدوم الشفقة؟ إن فصل أحد العاملين لا يخص الرئيس إلا بصورة جزئية، إذا علمنا أن هذه الحوارات لا تدور حول تصورنا لأنفسنا فسيقل احتمال فقداننا للتوازن الانفعالي.
الآن وبعد أن عرفنا الحوارات الثلاث التي يمكن أن تشوه احكامنا وتجعل نقاشاتنا تصل إلى نفق مسدود وأن النقاش لا يجب أن يدور حول المحق والمخطئ بل حول إيجاد الحل الأنسب سنتطرق لاستراتيجية الحوارات التعليمية.

الاستماع لما يقوله كل طرف:

الناس لا تتغير ما لم يشعروا بأن من يتعاملون معه قد فهمهم إذا أردنا تحقيق أي تقدم في حل الخلافات، فلا بد أن نفهم ما يحدث للطرف الآخر جيدا لنعرف مدى معقولية ما يفعله في ضوء ظروفه، زيادة أن شعور الآخر بفهمنا لدوافعه يحطم جدار المقاومة لديه.

لا تنفعل بل عبر عن مشاعرك:

إذا حاولنا كبت مشاعرنا، فإنها ستظهر على أية حال من خلال نغمات أصواتنا، ولغة أجسادنا وتعبيرات وجوهنا لذا يجب أن نعبر عنها بشكل حريص وعقلاني وأن نفرق بين الانفعال والتعبير عن الانفعال فيمكن أن أصرح للطرف الآخر بأني غاضب منه دون أن أثور في وجهه أو أتوعده أو أن أبدأ في تحطيم الأشياء من حولي.
من الصعب للغاية على بعض الناس أن يبدؤوا بجملة "أشعرب ..." في حين أن قولها سيجعل الطرف الآخر ينصت إلينا بتمعن لأن الانفعالات حقيقية ونحن نحتاجها لبقائنا وتواصلنا مع الآخرين فإخفاء وجود شعورالغضب بين الأزواج قد يتسبب في تدمير العلاقة بينهما.

مخاطر التفكير بأسلوب "إما كل شيء أو لا شيء "

يقول ستون وفريقه من علماء النفس غالبا ما نظن أن النقاشات الحادة هي تهديد لهوياتنا فالرعب لا يعود لمواجهتنا للمشكلة مع الطرف الآخر بل المواجهة الحقيقية هي " القصة التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا" إن تصورنا لأنفسنا مرتبط ارتباطا كبيرا بمستويات الأدرينالين لدينا، وهو ما يشرح سبب شعورنا بالقلق أو الغضب أو الرغبة المفاجئة في الهروب من الموقف أثناء احتدام النقاش، فارتفاع حدة الكلام دليل أن الأمر تعدى موضوع الجدل وأن قيمتنا هي التي أصبحت على المحك فإما أن ندافع عن هويتنا وقيمتنا أو ننسحب تمام، إننا نعتبر أنفسنا إما مثاليين أو مخطئين كل شيء أو لا شيء هذا النوع من التفكير يجعلنا عرضة للانفعال أمام أي انتقاد بسيط. لذا يجب أن نتنبه لذلك ونعمل على إعادة ضبط مشاعرنا عدة مرات أثناء حواراتنا.

                            كتاب Getting to yes Negotiating without Giving IN
 
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق