أقدم جدال فلسفي في التاريخ بين هيراقليطس وبارمنيدس


لا توجد مسألة مهمة بالنسبة للإنسان مثل مسألة "الكينونة" .فيصعب أن نتكلم عن أنفسنا أو عن الآخرين دون استعمال كلمتي كان أوكنت، ولنفهم مسألة الكينونة جيدا يجب أن نعود إلى تلك الحقبة القبل سقراطية، حيث وجد فيلسوفان عظيمان هما هيراقليطس وبارمنيدس (475 – 535 ق. م.) ودار بينهما جدال فلسفي حول قضية الوجود والكينونة والذي تمخضت عنه أفكار ساهمت في ولادة الفلسفة الوجودية و العلمانية المعاصرة.
أقدم جدال فلسفي في التاريخ بين هيراقليطس وبارمنيدس
الجدل الفلسفي

وجودية هيراقليطس

بعد تفكير عميق توصل هيراقليطس إلى أن "كل ماهو موجود فهو في تغير مستمر". والاستعارة الشهيرة التي استعملها لتبرير استنتاجه هي "لا يمكنك أن تنزل في النهر مرتين " والذي قصده أنك إذا أخرجت رجلك من النهر، ثم أدخلتها مرة أخرى فإنك لن تدخلها في نفس النهر، لأن التيار الجاري جعل كل شيء يتغير فالقطرات التي لامست جلدك تختلف تماما عن الأولى.
فالنهر هو عنوان التغيير، والمعنى الذي يريد أن يوصله هيراقليطس أن كل شيء خاضع للتغيير، بما فيه أنت نفسك لأن خلاياك تتآكل وتولد وتموت باستمرار فكل شيء خاضع للانحلال والتلف. تكلم سقراط في وقت لاحق عن الفعلية والاحتمالية والمقصود بالاحتمالية هو ما يمكن أن تصير عليه لكنك لم تبلغه بعد والفعلية تصف ما نحن عليه بالفعل إن الاحتمالية مصطلح يصف الصيرورة والفعلية تصف الكينونة ما دمت تتغير فما زلت تختبر الاحتمالية، فمهما كنت فلن تبقى على حالك. وبهذا الاستنتاج المنطقي أصبح هيراقليطس  هو أب الوجودية المعاصرة لأنه أثبت أنه لا يوجد شيء مستقر أو ثابت فحتى الصخور تتآكل مع مرور الوقت.

 وجودية بارمنيدس


الآن نأتي إلى بارمنيدس وتصريحه الأكثر شهرة " كل ما هو موجود فهو موجود " ربما يبدو لك أخي القارئ هذا التعبير تافها ويجعلك تقول في نفسك لماذا أضعت وقتي في قراءة هذا الموضوع. ولكن لنتأمل قليلا هذا التصريح. ما قصده بارمنيدس أن الواقع الحقيقي لا يمكن أن يتغير فكل ما يخضع للتغيير فهو غير موجود حقا. أنت لست ما أنت عليه لأنك منذ بدأت في قراءة هذه السطور وأنت في تغير مستمر، فلا يمكن أن نجمد الوقت مع خليقة تتغير بلا توقف أنت لست ما أنت عليه الآن أو ما كنت عليه في الماضي وما ستصبح عليه في المستقبل أنت مجرد احتمالية لن تصبح أبدا واقعا لأنك لا تمتلك جوهرا ثابتا.
فكل ما نحن عليه هو الصيرورة والتغيير وهذا يعني أنك مجرد وهم ونسيج من الخيال وحتى عالم الاختبار الخارجي الذي نعاينه لا يعدو أن يكون مجرد وهم .لكن المنطق يقول ربما أكون خاضعا لقانون التغير ولكن رغم ذلك فأنا موجود، فأنا كائن حقيقي يتغير، لكن أين هذا الكائن ولماذا لا أجده حاضرا على الدوام، فـالأحلام أثناء النوم نعايشها بعض اللحظات ولكن في آخر المطاف فإنها تبقى مجرد أوهام.

خلاصة

لم يستطع أي من بارمنيدس أو هيراقليطس حسم القضية لصالحه فكل منهما يمتلك جانب من الصواب لأنهما وبكل بساطة  قد أغفلا وجود الخالق، فالمسألة هنا عبارة عن مثلت لن يكتمل إلا بوجود أضلاعه الثلاثة: الله والمخلوقات والوجود ,فلا يمكنك تفسير الوجود بدون موجد ,فالقوة التي خلقتني هي التي تمنعني من أن أصير وهما . فالمخلوق وهم بنفسه موجود بخالقه.

                                       كتاب محاورة بارمنيدس لأفلاطون
                                      موسوعة الفلسغة لعبد الرحمن بدوي
                                     


مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

هناك تعليق واحد:

سعيد منصوري يقول...

أتمنى أن تقدموا سلسلة لأعلام الفلسفة بشكل متسلسل فقد أعجبني أسلوب طرحكم للمواضيع الفلسفية

إرسال تعليق