المنطق الرياضي وتطوره

بدأ الاتجاه الرياضي فى عقلية التفكير الحديث يرتكز على فكرة الكم دون الكيف. وبذلك فقد تجاوز منهج التفكير فى المنطق القديم. حيث أن الرياضيات هي المنطق العلمي الحقيقي للعقل.

ولقد نقد رينيه ديكارت "1596-1650" منطق أرسطو على هذا الأساس. وأكد بأننا إذا اكتشفنا القوانين الرياضية للمادة، فإننا سنصل إلى الحقيقة النهائية. ومن هنا أدخل ديكارت التفسير الكمي فى الفيزياء بدلا من التفسير الكيفي فحقق نجاحا مذهلا في منهجه العلمي أو في تطبيق منطقه الرياضي.
المنطق الرياضي وتطوره
المنطق الرياضي وتطوره

يقول ديكارت: "أن طبيعة الجسم المادي عموما لا يكمن فى وجوده كشيء له صلب، وزن، لون أو أية خاصية محسوسة أخرى. بل فى وجوده كشيء له امتداد فى الطول والسعة والعمق". "كتابات فلسفية، ص 199، الترجمة الإنجليزية". فالأشياء في الواقع الطبيعي هي مادية متحركة، وعلى العلم اكتشاف قوانين الحركات، والتى هى أفكار رياضية خالصة. أي أن ديكارت يهدف هنا إلى تجريد الرياضيات عن الموضوعات الفيزيائية لكي يجعل العالم الواقعي عالما رياضيا تماما.
أما القطب الآخر الذى ساعد على بروز المنطق الرياضي هو ويلهام ليبنتز "1646-1716". بل وإليه يعود السبب فى تفوق المنطق الرياضي على المنطق الصوري التقليدي.
وأهم ما ينص عليه ليبنتز فى هذا المضمار، هو أن المنطق لا يراقب العلم أو يعدل مناهجه.
وإنما يؤسس العلم ويقيم كل الارتباطات العقلية بين التصورات. كما وأن هذه الارتباطات هي غير نهائية العدد، ونحصل عليها بطرق آلية دونما أن يكون هناك من خطأ ما. فضلا عن أن مجموع هذه الطرق هو الفن الرابط أو المكون.
وبالتالي فإن العلم يكون عبارة عن أرقام أو حروف عامة تقوم على الماصدق وفق منطق صوري آلي وحسب.
بعبارة أخرى ان تكوين المنطق عند ليبنتز يعنى تكوين العلم نفسه الذى تقوم تصوراته على الماصدق. حيث بمقدورنا أن نصل إلى الماهية من خلال عمليات آلية وفقا لارتباطات قياسية.
وهكذا ترنو فكرة الماصدق فى منطق ليبنتز الرياضي على فكرة المفهوم فى منطق أرسطو القديم.
يقول ليبنتز: "عندما حررت نفسي من نير أرسطو، بدأت أدرك بعد تأملات كثيرة، بأنه من المستحيل إيجاد مبادئ حقيقة الوحدة فى المادة وحدها، فهي لا شيء أكثر من تجمعات الأجزاء اللامنتهية". "علم الجوهر ومقالات أخرى, ص300، الترجمة الإنجليزية".
فالطريق الصحيح للربط بين الأشياء تكون وفق عمليات فكرية بسيطة قوامها الرياضيات كونها المنطق الحقيقى للعقل.
ورغم أن ليبنتز قد عارض ديكارت فى بعض المواقف. إلا أن طريقة العلاج الرياضي تجاه الطبيعة لم يعارضها بقدر ما كان أكثر دقة وتمييزا.
هذا ويرى المناطقة الرياضيين أن هناك صورا عديدة للاستدلال المنطقي، وليس صورة واحدة كما عند أرسطو عندما أعتبر رابطة التضمن بين الموضوع والمحمول هى الوحيدة، حيث كل تصور متضمن فى تصور أشمل منه وكذلك يتضمن تصورا أخص منه. في حين أن الروابط والعلاقات العقلية لا يجوز أن تحد أو أن تحصر، إذ لكل حالة من الحالات لها رابطتها الخاصة.
ويرون أيضا بأن المنطق الرياضي يبين لنا العمليات التى تحدث فى الذهن أثناء الاستدلال.
وأن يضع رموزا تعبر عن هذه العمليات، وهى متجردة تماما من المحسوسات. حيث تبدأ بنوع من التصورات الأولية البسيطة كالبديهيات والمسلمات والتعريفات، ثم يقيم عليها استدلالاته. فإذا أستمرينا فى الاستدلال فإنه سوف تزداد التركيبات. وبالتالي نحصل على عمليات أخرى.
ولقد تطور المنطق الرياضي بشكل هائل وهام بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولقد ساعد على ذلك النجاحات المذهلة التى حققتها الرياضيات عند استعمالها فى العلوم الطبيعية من جهة.
وإلى ما حققه الرياضيون أنفسهم من اكتشاف الهندسة اللااقليدية والنظريات الجديد من جهة أخرى. كما فى نظرية الترابيع التي وضعها وليم هاملتون حيث حل فيها مسائل الهندسة الفراغية.
وكذلك ما وضعه جورج كانتور فى نظرية المجاميع. بالإضافة إلى ديديكند فى نظرية العدد.
وجرسمن فى نظرية الامتداد. حتى وصل الأمر بالمناطقة الرياضيين إلى الغلو فى موقفهم معتبرين التحليل المنطقى فى قضايا الفلسفة إنما هو غرض الفلسفة الوحيد. بل وغايتها القصوى دونما أن تكون هناك حاجة ما إلى التأملات الماورائية التى لا تجدي نفعا ومنذ زمن فلاسفة اليونان.
وهكذا اعتبروا منطقهم هو فلسفة العلم.
ومثلما كان فريجه وبيانو قد وضعا منطقا للحساب حيث استخلصا القضايا الحسابية من مقدمات منطقية، واظهرا أن الأفكار الأساسية فى الرياضيات إنما هى ترد إلى قوانين الفكر الأساسية. وبهذا يتوجب بالرياضيات أن تلحق بالمنطق.
وكذلك ما أكده كل من كوتيرا وبادوا على ضرورة تخليص الفكر من التباسات اللغة وألفاظها المشتركة التى تفسد التفكير نفسه. وعليه فقد عمدا إلى وضع رموز عامة، لها معنى كلى حيث لا تتوقف على لغة طبيعية معينة. فإن وايتهيد وراسل قد أقدما على وضع أهم عمل رياضى كبير فى كتابهما: "المبادئ الرياضية" بثلاث أجزاء ما بين "1910-1913". والذي يعد ذروة المنطق الرياضي.

ومن بين ما أشار إليه برتراند راسل "1872-1972" فى "مشكلة اللانهاية والاتصال" التى بقيت غامضة لفترة طويلة بسبب الفلاسفة الرياضيين. تأكيده على أن الأعداد الزوجية التى تكون دائما هى نصف الأعداد كلها. إلا أن بعض الأعداد الزوجية تساوي فى عددها كل الأعداد الموجودة. والسبب حسب تشخيصه بأن "العدد" سواء كان زوجيا أو فرديا فإن له ضعفا زوجيا. ومن خلال هذا التشخيص قدم راسل حلا لهذه المشكلة الرياضية.
المرجع:صحيفة العرب اللندنية (06/09/2008)
 الدكتور عماد الدين الجبوري/ أكاديمي عراقي مقيم في لندن

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا