قصة الكون من الثواني الأولى حتى الآن


رواد مدونة محيط المعرفة الأكارم،  في موضوعنا لهذا اليوم سآخذكم في رحلة مختصرة عبر الزمان و المكان إلى اللحظة التي بدأ فيها كل شيء، من الثواني الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم،  حتى يومنا هذا ( قصة الكون ). بناءا على نموذج الانفجار الكبير الساخن،  المقبول على نطاق واسع في الدوائر العلمية. يجمع العلماء أن الحالة البدئية للكون انبثقت من المتفردة The Singularity وهي حالة فريدة حيث كانت كل الطاقة والمادة والزمان والمكان محصورة في نقطة أصغر من البروتون،  لا نهائية الكثافة والسخونة شديدة الانتظام. فجأة اختل هذا الانتظام المتطرف،  لن ندخل في جدل: كيف؟ ولماذا اختل هذا النظام المحكم؟ ومن قدح الشرارة  التي اخلت به؟ فحسب مبدأ القصور الذاتي أو العطالة.التي تقول بأن كل جسم مادي قاصر عن تغيير حالته من السكون أو الحركة ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من حالته،  عند هذا الحد تتوقف الفيزياء لتترك الأمر لتنبآت الفلسفة أو تقريرات الوحي الإلهي.

قصة الكون من الثواني الأولى حتى الآن
قصة الكون من الثواني الأولى حتى الآن

الكون في الثواني الأولى من الانفجار العظيم

وفيما يعتقد فإن الكون وقت الانفجار العظيم نفسه  قبل 13,7 مليار سنة  حسب المعادلات الرياضية كان حجمه صفرا، وبهذا فإنه سيكون ساخنا على نحو متناه  فالجزء الغامض من هذه المراحل والذي يعتبر مبهما وليس معروفا هو ذاك الجزء من الثانية الأولى (في جزء من مليون من مليون من مليون من مليون جزء من الثانية) بعد الانفجار،  وهي الفترة التي كان فيها الكون شديد الحرارة بحيث كانت الجسيمات الأولية ذات طاقات عالية جدا. تفوق ما وصلت إليه معجلات الجسيمات التي لدينا اليوم وتعرف بفترة زمن بلانك أي تلك اللحظة تنفصل فيها قوة الثقالة (الجاذبية) عن القوى الثلاثة الأخرى،  التي تعرف مجتمعة بالقوة الإلكترونووية. ومن المفترض أن تقوم النظرية الكاملة للثقالة الكمومية مثل نظرية الأوتار الفائقة بفهم جميع هذه الأحداث المبكرة جدا لكن التفسيرات التي تقدمها نظرية الأوتار ما زالت محدودة. حيث يقدر قطر الكون في هذه اللحظة من عمر الكون  في ما يعرف بطول بلانك.. لكن بعد ثانية واحدة،  هبطت الحرارة إلى ما يقرب العشرة آلاف مليون درجة،  لتتكون الجسيمات الأولية الخفيفة،  التي لا تتأثر بالقوة الضعيفة والجاذبية. وهي في الغالب كواركات والغلوآن (جسيمات تربط نواة الذرة) وفوتونات والكترونات ونيوترينات  ومضادات جسيماتها.  ومن هذا الخليط القبل ذري تكون ما يشبه الحساء الهيولاني،  الذي تحدث عنه فلاسفة  الإغريق مع بعض البروتونات والنوترونات،  ومع استمرار الكون في التمدد والحرارة في الانخفاض فإن السرعة التي يتم بها انتاج أزواج الالكترونات وأضدادها من البوزيترونات،  ستنخفض إلى أقل من معدل تدميرها بالافناء. وهكذا فإن معظم الالكترونات سيفني أحدها الآخر لينتج المزيد من الفوتونات. ولا تترك إلا عددا قليلا من الالكترونات.أما النيوترينات Neutrinos و مضادها،  فلا يفني أحدهما الآخر، لأن هذه الجسيمات لا تتفاعل مع نفسها ومع الجسيمات الأخرى،  إلا على نحو ضئيل. وهكذا فإنها لا زالت موجودة حتى يومنا هذا،  ولو أمكننا رصدها فإنها ستمدنا بمعلومات قيمة عن مرحلة الكون المبكر،  ولكن لسوء الحظ فإن طاقتها في الوقت الحاضر ستكون أكثر انخفاضا من أن نتمكن من رصدها مباشرة.

الكون بعد 100 ثانية من الانفجار العظيم

وبعد الانفجار العظيم،  بما يقرب من 100 ثانية انخفضت حرارة الكون إلى ألف مليون درجة،  والتي يمكن أن نجدها في لب أسخن النجوم،  وعند هذه الحرارة فإن البروتونات والنوترونات لن يكون لديها الطاقة الكافية للهرب من جاذبية القوة النووية القوية،  وتبدأ في الاتحاد لانتاج نويات الدوتريوم (الهيدروجين الثقيل) والذي يتكون من نوترون وبروتون واحد ونويات الديتريوم هذه،  ستتحد بالمزيد من البروتونات والنوترونات،  لتصنع نويات الهيليوم التي تتكون هي الاخرى من بروتونان ونوترونان،  بالاضافة لكميات صغيرة من عنصرين اثقل هما الليثيوم والباريوم ويمكن للمرأ أن يحسب أنه في نموذج الانفجار الكبير الساخن،  سيتحول مايقرب من ربع البروتونات النوترونات إلى نويات الهيليوم، مع قدر صغير من الهيدروجين الثقيل وعناصر أخرى وتتحلل النوترونات الباقية لتصبح نويات ذرات الهيدروجين العادية.

 من الساعات الأولى للانفجار العظيم إلى المليون سنة الموالية

وفي خلال ساعات معدودة فحسب من الانفجار العظيم يمكن أن نقول أن انتاج الهيليوم والعناصر الأخرى،  قد توقف ليبقى الكون طيلة المليون سنة التالية أو ما يقارب من ذلك،  يواصل وحسب تمدده دون أن يحدث الشيء الكثير. لتنخفض درجة الحرارة إلى آلاف معدودة من الدرجات،  ولكن لم يصبح بعد لدى الالكترونات والنويات الطاقة الكافية للتغلب على ما يكون بينها من جذب كهرمغناطيسي،  فإنها تبدأ في الاتحاد لتكوين الذرات، ويستمر الكون ككل في التمدد،  لكن سرعة هذا التمدد تصبح أبطأ بواسطة الشد الاضافي للجاذبية، ويؤدي هذا في النهاية إلى التوقف في بعض المناطق من الكون المبكر، لتبدأ في التقلص مرة جديد، وتصبح هذه المناطق أصغر وتبدأ في الالتفاف حول نفسها تماما مثل متزحلقين يشدان يدي بعضهما البعض على الجليد. وعندما تصبح المنطقة صغيرة بما يكفي تزداد سرعة دورانها أكثر فأكثر، بما يكفي للتوازن مع شدة الجاذبية. وبهذه الطريقة تتم ولادة المجرات الدوارة الشبيهة بالقرص أما المناطق الاخرى التي لا يتفق اكتسابها لزخم الدوران المناسب،  فإنها تشكل مجرات بيضاوية و إهليلجية.

الكون بعد مليار إلى 4.5 مليار سنة

وإذا يمضي الوقت ينقسم غاز الهيدروجين في المجرات إلى سحب أصغر، تتقلص تحت تأثير جاذبيتها، فتصبح ساكنة بما يكفي لتبدأ تفاعلات نووية اندماجية، مطلقة بذلك الجيل الأول من النجوم محولة الهيدروجين إلى المزيد من الهليوم . ويزعم العلماء أن النجوم الأولى كانت ذات كتل كبيرة، مما دفع بها إلى أن تكون أسخن حتى تتوازن مع شد جاذبيتها القوي، الأمر الذي يجعل تفاعلات الاندماج النووي داخلها تجري بسرعة أكثر بكثير، بحيث تستهلك هذه النجوم ما فيها من هيدروجين في زمن قصير، بما يماثل مليار سنة. وبعد ذلك تنكمش وتسخن أكثر لتحول الهيليوم الناتج عن التفاعل إلى عناصر أثقل: مثل الكاربون والأكسجين، فتتحول المناطق المركزية للنجم إلى حالة كثيفة جدا، مثل النجم النيوترينو أو الثقب الأسود .أما المناطق الخارجية فتنفجر أحيانا انفجارا عظيما،   في ما سمى بالسوبرنوفا supernova ليكون أكثر لمعانا وتألقا من كل النجوم الأخرى، في المجرة مطلقة  بعض العناصر الأثقل التي تنتج  قبيل فناء المستعر الأعظم وهذه العناصر الثقيلة كالحديد والذهب والزنك، ستصبح خامات الجيل الثاني من النجوم . فشمسنا التي يمكن اعتبارها أحد نجوم الجيل الثالث، تحتوي على ما يقرب من 2 بالمئة من هذه العناصر الثقيلة والتي تكونت منذ 4,5 مليار سنة في سحابة غاز دوار، في حين تجمعت كمية ضئيلة من العناصر الثقيلة حول شمسنا مكونة الكواكب الصخرية كالأرض والمريخ وأخرى أخف عند حواف المجموعة الشمسية كالكواكب الغازية مثل المشتري وزحل ونبتون.

                        كتاب تاريخ موجز للزمان لـ ستيفن هوكينج Stephen Hawking
                       كتاب الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون ل ستيفن وينبرغSteven Weinberg

مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا