الحضارة الرومانية 6: الحروب الرومانية القرطاجية (الحروب البونية 263- 146 ق.م)


كانت قضية البحر التيراني من أكثر المشاكل الحاحا بالنسبة للرومان، والتي تتطلب حلا عاجلا، يقع البحر التيراني بين الساحل الإيطالي الغربي ومجموعات جزر أرخبيل توسكانا شمالا وجزيرتي كورسيكا وسردينيا غربا ومجموعة جزر ليباري وصقلية جنوبا. وكانت مضائق هذا البحر موضع نزاع بين القوى التي نشأت على أطرافه كالأتروسكيين، اليونان، الفينيقيين والقرطاجيين، ثم روما فيما بعد، حيث اعتبرت مصيرها كدولة كبرى في إيطاليا مرتبط بمصير البحر التيراني وبما يجري فيه من أحداث. الأمر الذي اضطرها إلى الصدام مع قرطاجة التي كانت تسيطر على صقلية وجزر البليار.ومع الاتروسكيين الذين كانوا يسيطرون على كورسيكا وسردينيا.
هانيبال
الحروب البونية


الحروب البونية الأولى: 263-241 ق.م

بعد أن احتل القرطاجيون مسينا أرادت روما أن تفك العزلة التي فرضها احتلال المضيق الواقع بهذه المنطقة حيث سارع ابيوس كلاوديوس إلى قيادة جيش لحصار مسينا التي حصنتها الأساطيل القرطاجية، لكن استدراج الرومان لقائد الحامية القرطاجية أغا توكل مكن كلاوديوس من التفاوض على تسليمه مقابل اخلاء القرطاجيين لميسينا، وردا على ذلك حاول القرطاجيون وحليفهم هيرون ملك سيراكوزة حصار مسينا إلا أنهم لم يستطيعوا فتحها حوالي 263 ق.م. وهكذا بدأت الحرب رسميا بين قرطاجة وروما، وارسلت روما جيشا إلى سيراكوزة بقيادة القنصلين ماكسيموس وكراسوس وأجبرتها على الاستسلام والتحالف معها وتبعتها المدن الصقلية الأخرى الناقمة على قرطاجة سنة 262 ق.م. لكن الأسطول القرطاجي هزم مثيله الروماني في ليباري. و سرعان ما طور الرومان من أساليب قتالهم البحرية حيث قلدوا السفن القرطاجية السريعة الشيء الذي مكن الأسطول الروماني من الانتصار على الاسطول القرطاجي في معركة ميلة سنة 260 ق.م .ظلت الحرب سجالا بين الطرفين حتى سنة 241 ق.م حيث هزمت القوات القرطاجية وطلبت الصلح مقابل 2200 تالان ذهبي خلال 20 سنة وأن تعيد اسرى الحرب الرومان وبهذا انتهت الحروب البونية الأولى بعد أن دامت حوالي 22 سنة. 

الحروب البونية الثانية : 218-201 ق.م

سادت حالة من السلم استمرت من سنة 241 -219 ق.م بين المعسكرين المتحاربين، انصرف خلالها الطرفان  إلى لم جراحهما وإعادة بناء اقتصادهما من جديد، فقد انصرفت روما إلى التوسع شمال إيطاليا وحل قضية الغاليين نهائيا، بينما توجهت قرطاجة إلى التوسع في اسبانيا بقيادة اميلكار وصهره استروبال وخليفتهما هانيبال ابن اميلكار الذي امتاز بسياسته التوسعية حيث اجتاز نهر الايبر، وهاجم مدينة ساغونت حليفة روما واستباحها الأمر الذي أغضب روما فارسلت وفدا إلى قرطاجة يطلب معاقبة هانيبال، فرفض مجلس الشيوخ القرطاجي هذا الطلب وردوا على الوفد الروماني بغلظة الشيء الذي أدى إلى نشوب الحروب البونية الثانية بعد اعلان روما الحرب على قرطاجة.
كان هانيبال أسطورة حيث جمع جيشا جرارا لمواجهة الإمبراطورية الرومانية الطاغية أنذاك فقطع جبال الألب سنة 218 ق.م في الشتاء القارس بجيش قوامه 40.000  مما أدى إلى موت نصف جيشه بكثرة الثلوج والإنزلاقات والجوع مستعينا في زحفه بجمع بعض الأفراد من القبائل المعادية وقد إستعمل الفيلة في نقل المؤونة حيث كان هانيبال مثالا للقائد العظيم والمتواضع في آن واحد، حيث لم تكن له خيمة تميزه عن باقي أفراد جيشه.  

عندما وصل إلى روما لم يبق من جيشه سوى ما يقارب العشرين ألف جنديا مما إستصغر شأنه في أعين الرومان فجمعوا له مايفوق 80000 جندي لاستئصاله فلما ألتقى الجمعان قرب نهر عمد هانيبال إلى خطة حربية تمكن من خلالها من إغراق الجيش بأكمله بعد أن هزمهم مرة ثانية بأسلوب مغاير في معركة كاناي. لتتواصل سيطرته بعد ذلك على العديد من المقاطعات الرومانية حتى سنة 211 قبل الميلاد، حين حاصر عاصمة الامبراطورية دون أن يستطيع اختراق تحصيناتها، بعد أن رفض حلفاؤه مده بالتعزيزات اللازمة.
وفي سنة 202 قبل الميلاد، قاد القائد الروماني سكيبيو جيشاً قوامه 25000 رجل من المشاة المدعمين بالخيالة وقطع بهم البحر الأبيض المتوسط متجهاً إلى قرطاجة، وأصر القرطاجيون على استدعاء هانيبال من روما لقيادة الجيوش القرطاجي، والتقى الجيشان في معركة زاما إلا أن جنود المتواجدين بقرطاجة حديثي العهد بالقتال فروا من ساحة المعركة تاركين الجنود المتمرسين يواجهون الرومان بمفردهم، فأبيد عدد كبير منهم، واستسلمت قرطاج لتنتهي بذلك الحرب البونية الثانية. بعد هذه الهزيمة عقدت معاهدة  سنة 201 ق.م اتفق فيها الطرفان على أن :
  • يدفع القرطاجيون الجزية خمسين عاماً.
  • تخفيض سفن القرطاجيين إلى عشر سفن.
  • عدم شن أي حرب خارج أفريقيا إلا بموافقة روما.
وهذا الانتصار الروماني كان من نتائجه السيطرة الرومانية على الساحل الإسباني الشرقي والجنوبي وتم تقسيم إسبانيا إلى مقاطعتين تحت اسم إسبانيا القريبة وإسبانيا البعيدة.

الحرب البونية الثالثة 149 - 146 ق.م

بادر هانيبال بعد انتهاء الحرب إلى العمل على تطوير قرطاج، فعدل الدستور وقاوم الفساد وسعى إلى تعزيز موارد الدولة، إلا أن روما رأت في ذلك إعدادا لحرب أخرى، فعملت على إبعاده، وهو ما كان لها إذ لجأ القائد العظيم إلى ملك سوريا السلوقي انطيوخوس الذي كان بدوره في حرب مع روما إلا أن هزيمته الأخيرة سنة 190 ق.م جعلت هانيبال ينتقل نحو شمالي بلاد الأناضول وهناك وضع عبقريته في خدمة ملكها إلا أن هذا الأخير رضخ لضغوطات روما التي لم تكف عن ملاحقة غريمها القديم وأرسلت في طلبه، وحين أيقن هانيبال بحتمية وقوعه أسيرا، آثر الانتحار مقدما آخر درس له في رفض الإهانة ولو على حساب حياته.

استطاعت قرطاجة بعد هزيمتها أن تبني نفسها سرا وأن تستعيد نشاطها البحري فخافت روما من أن تشكل عليها خطرا فاغروا حليفهم مسينيسا ملك نوميديا(الجزائر حاليا) بالنيل منها والاستيلاء على أراضيها بحجة أن ذلك من أراضي أبيه فاشتكت قرطاجة إلى روما صنيع مسينيسا  إلا أن روما انحازت إلى حليفها النوميدي وارسلت حملة كبيرة حاصرت من خلالها قرطاجة لمدة 3 سنوات من 149 إلى 146 ق.م واستطاعوا أخيرا دخولها بعد أن استبسل سكانها في الدفاع عنها فقتلوا أهلها ودمروها واضرموا النيران فيها لمدة ستة أيام بلياليها وفي اليوم السابع استسلم 50 ألف مواطن قرطاجي. وبذلك اسدل الستار على تاريخ مدينة عظيمة نمت وترعرعت على الشاطئ الافريقي وقضي عليها بوحشية لم ير التاريخ لها مثيلا وتعتبر وصمة عار في جبين روما، تثير اشمئزاز كل من قرأ عن أحداثها. 


مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا