حقوق الإنسان ومسيرة البشرية نحوها


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع اليوم بحول الله سنخصصه للحديث عن مسيرة البشرية نحو حقوق الإنسان.

حين تمتهن كرامة الإنسان بمختلف الأساليب في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية معينة، وحين يعاقب أطفال صغار على جرائم لم يقترفها حتى أولياؤهم، يحس الناس بالمهانة ويستعدون للدفاع عن حقوق الإنسان والتي هي حقوقهم الأساسية.

حقوق الإنسان
حقوق الإنسان

ولكن حين نحاول صياغة ميثاق لحقوق الإنسان نجد صعوبة في حصر كل الحقوق والحريات، ذلك أن البشرية قضت مراحل طويلة من تاريخها قبل الاهتداء إلى تشريعات تحمي حقوق الإنسان. فقد استغرق ذلك مختلف مراحل التاريخ من بداية الحضارات، حضارات الأنهار وحضارات البحر الأبيض المتوسط، والحضارات الدينية السماوية والحضارة الأوربية في عصر النهضة وعصر الأنوار والنهضة والثورات الاجتماعية والسياسية المختلفة في أوربا وأمريكا... إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م.

فالصراع بين الواجب والحق اخترق جميع الحضارات وجميع الثقافات من بداية العصور إلى الآن. وعلى الدوام شكل الحكم بصفته محتكرا لسلطة القوة والتشريع المركز الرئيسي للصراع من أجل الحد من جبروته والحفاظ على حريات الناس وحقوقهم. فالماوردي (توفي سنة 1058) حدد صفات الخليفة في المحافظة على النظام العام وتولي الإشراف على شؤون الأمة والرعاية لها.

في حين أن ابن خلدون (توفي سنة 1406) الذي تعتبر اجتهاداته في السياسة والبحث الاجتماعي من التراث الإنساني الكوني دفاعا عن الحرية والحق مثله في ذلك مثل ابن رشد الذي ساهم في إيصال الفلسفة اليونانية (أرسطو) إلى الغرب يعتبر أن التبرير الأساسي للسلطة يكمن فقط في الضرورة والحاجة إلى معتدل يمنع الناس من أن يمزق بعضهم بعضا. فالخلافة بالنسبة لابن خلدون وظيفة أقيمت للنفع العام ووضعت تحت مراقبة العامة.

نفس الأفكار عبر عنها جون لوك (1632-1704) في صيغ أخرى: إن السلطة العليا هي السلطة التشريعية، المهم صنع القوانين... إن امتيازات السلطة التنفيذية محددة بشكل أكثر وضوحا. إنها سلطة ممنوحة للأمير لكي يرعى المصلحة العامة، في الأحوال المتعلقة بالظروف غير المتوقعة وغير المحددة، والتي لا يمكن من جراء ذلك، تسويتها تماما بقوانين محددة وجامدة.

فسيرورة تحديد الحقوق، تجميعها وتصنيفها والتنصيص عليها ارتكزت على مرجعيات متعددة تفاعلت خلال التاريخ، يمكن حصرها في مرجعيتين أساسيتين:

المرجعيات النظرية

المعتقدات الدينية

العدالة مبدأ متعالي، فالمعتقدات الدينية وخاصة منها السماوية اعتقدت باستمرار أن الله هو الذي يسن الحق والواجب. وقد وجدت بالنسبة لليونان ' ألهة ' خاصة بالعدالة ديميس Themis.

الإنسية الأوروبية

ترتكز على فكر يعلي من قيمة الإنسان ويشدد على كونه كائنا مركزيا ميزته الحرية والإرادة والعقل.

فلسفات الحق الطبيعي

تنطلق فلسفة الحق الطبيعي من أن هناك قانونا طبيعيا ومبادئ مثالية وخالدة تسمو على مبادئ القانون الوضعي. إنه القانون المستنتج من طبيعة الناس أنفسهم ومن علاقتهم فيما بينهم بعيدا عن أي اتفاق أو تشريع.
يمنح القانون الطبيعي الإنسان حقوقا فطرية مطلقة لا تتغير بالزمان والمكان (حق الأمن، حق الملكية، حق الحرية).
فميلاد المفهوم الجديد لحقوق الإنسان يرجع إلى القرن 17 وذلك بربطه بمدرسة الحق الطبيعي الذي يعتبر غراتيوس (1583-1645) Gratius رائدها.
إن الحقوق الطبيعية هي نواة ما سيسمى فيما بعد بحقوق الإنسان بعد انتقالها من صيغتها الفلسفية إلى القوانين الوضعية.

القانون الوضعي

هو مجموع القوانين المكتوبة أو عادات الماضي التي لها قوة القانون والتي توجد (أو وجدت) عمليا في الواقع في مجتمع محدد.

نظرية العقد الاجتماعي

تقوم نظرية العقد الاجتماعي على فرضية وجود حالة طبيعية في تاريخ البشرية تسمى ' حالة الطبيعة '. وهي حالة صراع وعنف، مما تطلب تعاقد الأفراد فيما بينهم لإقامة مجتمع منظم.
وقد اختلف الفلاسفة في مآل الحقوق الطبيعية عند الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المنظم، فقد اعتبر هوبز (1588-1679) ضرورة تنازل الأفراد عن كافة حقوقهم لسلطة تحميهم، في حين ذهب لوك (1632-1704) إلى أن تنازل الأفراد في العقد الاجتماعي يجب أن يكون عن القدر اللازم من حقوقهم لكفالة الصالح العام، أما ما تبقى لهم من حقوق فيظل قائما، وعلى الحاكم باعتباره طرفا في العقد أن يحترم هذه الحقوق.
أما جان جاك روسو (1712-1778) فيعتبر تنازل الأفراد عن حقوقهم يكون للدولة التي تمثل سيادة الجماعة، وعند قيام الدولة تمنح هذه الحقوق لجميع الأفراد.

المرجعيات القانونية

أول إعلان صاغ مفهوم حقوق الإنسان بشكل واضح وصريح يعود إلى أواخر القرن 18 إبان الثورة الفرنسية (1789)، 'إعلان حقوق الإنسان والمواطن' الذي تبنته الجمعية العامة الفرنسية سنة 1791 وأصبح تمهيدا وعنوانا أولا للدستور.
ولقد سبقت هذا الإعلان صياغة وثائق أخرى في أقطار أخرى من العالم كوثيقة إعلان الحقوق في بريطانيا سنة 1689 والدستور الأمريكي سنة 1787.
ومنذ بداية القرن العشرين بدأت تتشكل آليات دولية لتشريع الحقوق وإقرارها وتوفير شروط حمايتها. نشير بالخصوص إلى البعض منها مثل:
  1. ميثاق عصبة الأمم سنة 1919.
  2. اتفاقية منظمة العمل الدولية سنة 1926 حول حق العمال الزراعيين في التنظيم.
  3. ميثاق هيئة الأمم المتحدة سنة 1945.
  4. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 دجنبر 1948.
  5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 16 دجنبر 1966.
  6. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في 16 دجنبر 1966.
  7. مختلف العهود والاتفاقيات والإعلانات الصادرة عن هيأة الأمم المتحدة إلى حدود اللحظة.
  8. مختلف العهود والاتفاقيات والإعلانات الصادرة عن هيآت جهوية إلى حدود الآن مثل: الاتحاد الأوربي، منظمة الوحدة الإفريقية، جامعة الدول العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي...
هذا الزخم من النصوص والذي تبلور من خلال التاريخ وتلاقح جميع الحضارات أصبح يشكل منظومة فكرية وسياسية وقانونية فرضت نفسها بالتدريج في العالم.

إلى هنا نكون قد أنهينا موضوعنا لهذا اليوم وإلى لقاء آخر مع موضوع جديد على مدونتكم الثقافية محيط المعرفة.

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا