السلام عليكم ورحم الله.
قراءنا الأفاضل بعد أن تحدثنا عن أحد أعلام الفلسفة اليونانية في موضوع بعنوان جولة في عقل أفلاطون ,نعود بكم إلى عصرنا الحالي مع شخصية " وليام جيمس" الذي يعتبره الكثيرون أعظم فيلسوف أمريكي ومؤسس لعلم النفس الحديث.

وليام جيمس William James
وليام جيمس William James
كان علم النفس في الماضي موضوع دراسة الفلاسفة ,وقد كان "جيمس" أستاذا للفلسفة على مدار عدة سنوات .وكان تمييزه بين المجالين هو أن علم النفس "الحياة العقلية" والمقصود أنه علم يعنى بالعقل داخل جسم الإنسان في زمان ومكان معينين ,وبداخل ذلك العقل تكمن أفكار ومشاعر تجاه العالم المادي المحيط بنا .وعلى الجانب الآخر ,فقد كان اعتبار الأفكار نتيجة لقوة عميقة مثل الروح أو "الأنا" يندرج تحت بند الميتافيزيقا أو الفلسفة .
وقد اعتبر "جيمس " أن هذا المجال الجديد علم طبيعي يتطلب تحليل المشاعر ,والرغبات ,والمعارف ,والاستدلال ,والقرارات وفقا لخصائصها وألياتها بنفس الطريقة التي يمكن من خلالها شرح بناء منزل من خلال مراكمة الأجور ,لذا قرر أن ينظر إلى ظاهرة علم النفس وليس النظرية وراءه ,مما جعله يرتقي بعلم النفس حتى يحقق هدفه ويضع له أساسا علميا أكثر مثانة .
وكثيرا ما عانى "وليام جيمس" من حالات الاكتئاب وأمراض بدنية مما استلزم منه 12 سنة لتأليف كتابه "مبادئ علم النفس" ,والذي كتب في مقدمته "لقد كبر حجمه(الكتاب) لدرجة لا تجعل أحدا يندم أكثر من المؤلف نفسه ,لا بد أن يكون القارئ متحمسا بحيث يستطيع في هذا العالم المزدحم أن يقرأ كتابا من 4000 صفحة " .
وتظهر عبقرية "جيمس" في نظرته الثاقبة في تحليل الشخصية الإنسانية ,حيث علق بقوله "عندنا ننظر للمخلوقات من منظور خارجي ,فأول ما يلفت نظرنا أنها تحكمنا مجموعة من العادات " .ولكن ما هي هذه العادات بالتحديد؟
استنتج من خلال بحوثه في علم وظائف المخ والجهاز العصبي أنها " تفريغات في المراكز العصبية " تتضمن مسارا للممرات المنعكسة تنشط بصورة متتابعة ,وعندما يتم أيجاد أحد تلك المسارات يصبح من الأسهل على الخلية العصبية الموجودة المرور عبر نفس المسار مرة أخرى.

ومع ذلك ,فقد لا حظ "وليام" اختلافا بين السلوك الاعتيادي للحيوان ومثيله لدى الإنسان ,ففي حين أن معظم سلوكيات الحيوان آلية ومحدودة وبسيطة نسبيا ,فإن البشر يكونون عادات جديدة بصورة واعية مقصودة إذا أرادوا تحقيق نتائج معينة ,والمشكلة أن خلق عادات جديدة جيدة يتطلب عملا وتطبيقا .
قال "جيمس" إن أساس العادات الجيدة هو التصرف الحاسم مع الحلول والقرارات التي يتخذها المرء ,إن الأفعال تخلق آثارا حركية في أجهزتنا العصبية وتحول الرغبة إلى عادة ,فيضطر المخ أن "ينمو" حتى يتوافق مع أمانينا ,ولا يكتمل تكون الممر قبل أن يحدث ذلك السلوك المتكرر. ويقول "جيمس" إن المهم هو أن نجعل أجهزتنا العصبية حلفاءنا لا أعداءنا ,وكما أن الإنسان يدمن الخمر بعد مرات كثيرة من تعاطيه ,فإنه يستطيع أن يصبح ذو خلق قويم أوعالما أو رجل دين من خلال الكثير من السلوكات المنفصلة والعمل لساعات طويلة تخدم العادة المرغوب استحداثها .إن سلوكاتنا المتكررة تتجمع لنكون شخصياتنا .
يعتبر "وليام جيمس" بحق هو أب علم النفس المعاصر ,لأنه أخرجه من جلباب الفلسفة الفضفاض ,إن التقسيم الذي استحدثه والمكون من "العالم"و "أنا" قد يكون مستفزا خاصة لأولئك الذين يعتبرون أنهم يعيشون من أجل غيرهم ,ومع ذلك فإن هذا التقسيم هو خلاصة وتركيبة البشر البدنية ,حيث إن كل جسم يحتوي على مخ ينظر للعالم من حوله ,مما يجعل هذا التقسيم حقيقة .

                                                         كتاب:  مبادئ علم النفس
                                                          (النسخة المختصرة)

التعاليق

أحدث أقدم