الثورة الفرنسية2: سقوط سجن الباستيل وتداعي النظام الاقطاعي والملكي


نجدد الترحاب برواد مدونة محيط المعرفة الكرام، في الجزء الأول من تاريخ  الثورة الفرنسية، تحدثنا عن الاسباب التي أفرزت لنا تلك التركيبة الطبقية التي ميزت المجتمع الفرنسي. أما في موضوعنا لهذا اليوم فسنلقي الضوء على نتائج هذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي،  ومن أهم هذه النتائج سقوط سجن الباستيل. فكلما ذكرت الثورة الفرنسية ذكر زوال ذلك الرمز الباقي في خيال الاجيال،   فسقوط سجن أو قلعة الباستيل في أيدي الثوار كان أهم علامة مميزة لانتصار الثوار،  وكان البداية الحقيقية لسقوط المجتمع الاقطاعي في فرنسا . كذلك ذكرت شعارات الثورة الفرنسية الثلاثة وهي الحرية المساواة والإخاء وذكر معها اعلان حقوق الإنسان الذي تبلورت فيه فلسفة الطبقات الاجتماعية الجديدة المتوسطة والمتوسطة الصغيرة التي اغتصبت السلطة من أيدي الملكية المطلقة والطبقة الأرستقراطية،  ورجال الدين ووضعت الحق الطبيعي أساسا للعقد الاجتماعي بدلا من الحق الالهي .

سقوط سجن الباستيل
سقوط سجن الباستيل


كذلك ذكرت أسماء عشرات من عمالقة الثوار في التاريخ أمثال: دانتون  و روبس بيير مارا وسان جوست وهيبير وديمولان وكوندورسييه و اندريه شنييه ومدام رولان وبابيف، كلهم ماتوا على المقصلة في أقل من 5 سنوات. وذكر معهم عشرات من جهابذة الخطابة والسياسة حافظ أكثرهم على أعناقهم، رغم أنهم كانوا في مقدمة الثوار حتى انجلى الإعصار، فماتوا على فراشهم مثل ميرابو وسييز وتاليران وفوشيه. وأهم من كل هؤلاء ذكر نابوليون بونابارت صاحب الغزوات الكاسحة والعبقرية العسكرية الفذة التي لم يعرف لها العالم نظيرا مند تحتمس الثالث ورمسيس الثاني والاسكندر الأكبر ويوليوس قيصر. فهو الذي صدر الثورة إلى العالم بعد أن أنقدها في فرنسا من الحكام الفاسدين. وجد نابليون أبناء فرنسا يأكل بعضهم بعضا فوجه هذه الطاقة البركانية إلى الخارج ليأكل الفرنسيون غيرهم من الأمم .

وأهم من هذا وذاك أنه كلما ذكرت الثورة الفرنسية ذكر الناس كيف دخل الشارع الفرنسي طرفا ايجابيا في تقرير مصيره لأول مرة في تاريخه . ومنذ ذلك التاريخ انتقلت العدوى إلى كل ثورات العالم القديم و الجديد. ومن يتأمل اليوم أعلام الدول يجد أكثرها مثلث الألوان على غرار الأزرق والأبيض والأحمر: التريكولور الفرنسي رمزا لشعارات الحرية والمساواة والاخاء. فكل شعب يترجمها إلى ألوانه الخاصة بتاريخه أو بمفهومه الخاص لفلسفة الحياة، فلم يكن الشارع الفرنسي يطالب بالخبز وحده ولكنه طالب أيضا بحقوق الإنسان .
ومنذ تحول سجن الباستيل من قلعة إلى سجن تابع للملك، ينفق عليه من أمواله الخاصة ويجري فيه كل شيء بعيدا عن رقابة القانون العام،  ولكن لم تجري فيه الاعدامات،  وإنما كان محطة للتحقيق والمحاكمة السياسية عن طريق برلمان ثم التوزيع إما على السجون الأخرى مثل سجن فانسين و مون سان ميشال وفي بعض الأحوال النفي أو الاعتقال مدى الحياة في الأديرة، وكان ذلك أيضا على نفقة الملك أما الاعدامات فتتم في ميدان الجريف أمام بلدية باريس وكان الاعدام يتم ببلطة العشماوي للنبلاء . وهذا لم يمنع طبعا من احتجاز بعض الشخصيات في الباستيل بأمر الملك مدى الحياة أو لسنوات مديدة.
وكان أشهر الأدباء الذين دخلوا الباستيل فولتير مرتين ودالمبير، ومونتيسكيو كما صودرت كتب رسائل الريف للفيلسوف باسكال وكتاب رسائل فلسفية لفولتير وكدست المطبوعات المصادرة في الباستيل حتى اضطروا أن يبنوا لها جناحا خاصا.
في اجتماع 6 مايو1789 قرر نواب الطبقة الثالثة أن يكون اسمهم الجديد جمعية العموم أو مجلس العموم، إسوة بمجلس العموم البريطاني بدلا من مسمى الطبقة الثالثة. ولكنهم عادوا في اجتماع 18 يونيو من نفس السنة ورفضوا مبدأ الفصل بين طبقات المجتمع وأعلنوا أن اسم البرلمان الجديد ليس مجلس الطبقات، ولكن الجمعية الوطنية ووافق أكثر رجال الدين من القساوسة الفقراء على الانضمام إلى ممثلي الشعب،  أما طبقة النبلاء فكانت تضغط على الملك ليمنع ازالة الحواجز بين الطبقات الثلاث .
كان ميرابو Mirabeau أهم بطل من أبطال الثورة الفرنسية، في عاميها الأولين كان المواطن الأول والخطيب الأكبر وقد ظل حتى نهاية الجمهورية الثالثة بطل الثورة الأعظم في ذمة التاريخ يطلق اسمه على الشوارع والميادين الكباري ولكن الشعب الذي مجده حتى وفاته هو الشعب الذي نادى بشنقه قبيل وفاته لأن الاخبار ترامت بتواصله مع القصر وبأن الملكة ماري أنطوانيت استدرجته فوقع في فخها، ثم تبين أنها كانت تتلاعب به وهو الضعيف أمام النساء وأمام المال.
كان ميرابو من طبقة النبلاء لكن طبقته تبرأت منه، لانحيازه المستمر للجماهير. وكان في شبابه مستهترا امتلأت حياته بالديون والفضائح حتى أنه اعتقل بناء على طلب أبيه، كما جرت العادة بين نبلاء ذلك الزمان حينما يعجز الأب عن تقويم ابنه فيستنجد بالملك ليؤدبه. وقد استخدم ميرابو بلاغته العظيمة في الدعوة إلى الديموقراطية، ولكن حدود الديمقراطية عنده كانت الملكية المقيدة أو الملكية الدستورية وفي 9 يوليو 1789  قبل سقوط الباستيل بأيام أعلنت الجمعية الوطنية أن اسمها الجديد الجمعية الوطنية التأسيسية وأن مهمتها هي وضع دستور البلاد. فدعوة الجمهورية لم تكن مطروحة حتى حاول الملك والملكة اللجوء إلى أعداء البلاد وهذا سنفصل فيه في موضوع قادم .وفي مايو 1790 اتصل ميرابو سرا بالبلاط، فاشتراه القصر الملكي ليدافع عن سياسته مقابل أن يدفع القصر ديونه، ولما مات ميرابو في 2 أبريل 1791 كان أول من دفن من رجال الثورة في البانتيون مقبرة الخالدين ولكن رفاته نقلت في 21 سبتمبر 1794 عندما أكدت الدلائل تواطؤه مع القصر. وللإنصاف فقد كان ميرابو يؤمن بضرورة التوازن بين سلطة العرش وسلطة الجمعية العامة، فكان يعمل علنا لتقوية سلطة البرلمان ويعمل سرا لتقوية سلطة الملك. وهذا ما جر عليه الكوارث في النهاية عندما افتضح أمره ولا سيما بعد وفاته .

وقد تمثلت الأزمة الأولى في اصرار الملك وطبقة النبلاء على الفصل بين الطبقات في اجتماع مجلس الطبقات،  بحيث يجتمع ممثلو كل طبقة على حدة ويجري التصويت على الضرائب ومشروعات القوانين في كل مجلس على حدة. وبهذا يتأكد مبدأ فصل الطبقات من جهة، وينعدم مبدأ المساواة بين المواطنين من جهة ثانية، وتهضم حقوق الأغلبية المرجحة في السلطة التشريعية من جهة ثالثة. لأن نسبتها تكون دائما نسبة 1 إلى  2  في القرار الأخير أي صوت للطبقة الثالثة الشعب ضد صوتين لطبقة النبلاء ولطبقة رجال الدين .
وقد ازداد الأمر خطورة حين تبين مند اللحظة الأولى بعد الانتخابات أن طبقة رجال الدين انقسمت على نفسها، فانضمت أغلبيتها وهم فقراء القساوسة وعددهم أكثر من 200 إلى الطبقة الثالثة، ولم ينضم إلى طبقة النبلاء إلا نحو 30 نائبا من صدور الكنيسة كالكرادلة والأساقفة .
فإذا ذكرنا أن بعض نواب النبلاء كانوا في جانب الشعب بسبب الاستنارة الفكرية أو للخصومات الشخصية أو المصلحة الخاصة كانت الحصيلة النهائية، أنه في حالة اندماج الطبقات الثلاث في برلمان واحد ذي مجلس واحد تكون لنواب الشعب أغلبية دائمة ساحقة قوامها نحو 800 صوت وتكون لطبقة النبلاء أقلية دائمة قوامها نحو 250 صوتا. وكان هذا وحده كافيا لتصفية المجتمع الاقطاعي،  والغاء الامتيازات الطبقية التي تحدثنا عنها في موضوعنا السابق وكافيا أيضا لعجن الأمة الفرنسية في عجينة واحدة.
وهدا أخاف الملك والنبلاء، فاعترضوا على هذا الادماج في احتقار شديد، بل أن الخطبة الملكية لم تتحدث عن تمثيل الملك لشعبه،  بل تحدثت عن تمثيل الملك لشعوبه، وكأن له ثلاثة شعوب في فرنسا هم الارستقراط ورجال الدين والعامة.
وهذا دفع الطبقة الثالثة ومن ورائها الأغلبية الساحقة، أن تقفز هذه القفزة الكبرى فتسمي نفسها الجمعية الوطنية أو جمعية الأمة. فليست فرنسا إلا أمة واحدة بجميع طبقاتها وفئاتها وكلهم متساوون في الحقوق والواجبات. وبهذا يتحقق مبدأ المساواة . وفي خارج الجمعية الوطنية كانت جماهير فرساي تظاهر الطبقة الثالثة وتهين النبلاء وكانت باريس تغلي ومن ورائها الأقاليم فكان سقوط الباستيل رمزا لانتصار الحرية وكان انشاء جمعية الأمة رمزا لانتصار المساواة.
وبالفعل أصيبت طبقة النبلاء برعب شديد، وانتابتها حالة سعار، لأنها أدركت أنها على وشك أن تفقد كل امتيازاتها الاقطاعية. ولما وقعت الواقعة وجد ميرابو نفسه مرة أخرى يقود نواب الشعب ثم الجماهير في كفاحهم من أجل الحرية والمساواة، وكتب يقول ألا يبدو مجافيا للمنطق أن توضع مصالح 200000 شخص يتمتعون بالامتيازات الطبقية في موضع التعارض مع مصالح 25 مليون من المواطنين نوراجاريه كتاب ميرابو ص 163.
انتصرت الجمعية الوطنية على الملك لويس 16 عندما قررت في 17 يونيو 1789 أن تطلق على نفسها اسم مجلس الأمة، ثم انتصرت عليه مرة أخرى عندما أمرها في غطرسة الحاكم المطلق أن تنفض وتعود للانعقاد في شكلها الطبقي القديم. فتحدثه في 20 يونيو 1789 عندما أقسم أغلبية أعضائها على ميثاق ملعب التنس ألا تنفصل أبدا إلى طبقات مستقلة، وأن الجمعية العامة سيدة على نفسها وعلى قرارها . فلم يكن أمام الملك إلا الرضوخ لإرادة الأمة بالموافقة على هذا القرار الدي سيصفي النظام القديم أو التحرك لحل هذا المجلس الثائر وتشتيت أعضائه. فاختار قرار المواجهة فحشد جيشا قوامه 20 ألف جندي حول مقر الحكم بضاحية فرساي استعداد لحل الجمعية العامة، فأخد رجل الشارع يتحدث عن المؤامرة الارستقراطية وفي أول يوليو نشر مارا JEAN PAUL MARAT   منشورا بعنوان بيان الشعب وكشف النقاب عن سلوك الوزراء، وطلبت الجمعية الوطنية من الملك على لسان ميرابو ابعاد الجند الذين كان أغلبهم من السويسريين والألمان فرد الملك أنه فعل ذلك ليتقي تجدد الفتن كما أقال وزير المالية نيكر Neker وعين مكانه وزيرا من الداعين إلى الثورة المضادة، وهو البارون دي بروتوي فأحس الشعب بساعة المواجهة، فتدهورت الأحوال وانتشرت الاجتماعات والمظاهرات وتصادمت الجماهير بقوات الأمير لامبيسك، فدقت نواقيس الخطر ونهبت الجماهير دكاكين السلاح وفي 13 يوليو أعلنت الجمعية تقديرها لنيكر والوزراء المقالين وفي 14 يوليو كان الزحف الكبير الدي أسفر عن سقوط الباستيل. وهكذا أنقدت الجماهير الهادرة الجمعية الوطنية من الحل الذي أراده لويس 16. وسحب الملك قواته من المنطقة بناء على نصيحة بعض النبلاء الراغبين في انقاد الملكية. فاغتنمت الطبقة المتوسطة ذلك وأقامت في دار البلدية هوتيل دي فيل مجلس الثورة أسمته كوميونة باريس La Commune de Paris .وانتخب بالي عمدة لباريس، وعين لافاييت قائدا للميليشيا البرجوازية التي سميت بالحرس الوطني .فاعيد نيكر وزيرا للمالية، وسخطت الارستقراطية سخطا شديدا على انهيار الملك. فهاجر الكثير منهم من فرنسا واستفادت البرجوازية أي الطبقة المتوسطة من ثورات الشعب في المدن، فاستولت على السلطة وسيطرت على المجالس البلدية.
للاطلاع على الجزء الأول إليكم الرابط: الثورة الفرنسية 1: طبقات المجتمع الفرنسي وأسباب الثورة الفرنسية
                                             المراجع المعتمدة
                                                                              نوراجاريه كتاب ميرابو
                                                                              تاريخ الثورة  الفرنسية للعلامة البير سوبول
                                                                              الثورة الفرنسية لدكتور لويس عوض

مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا