عواقب الحياة الرقمية على الأطفال


تتبع الدكتور جو فروست في كتابه المعنون "تاريخ لعب الأطفال وبيئات العب"، تاريخ لعب الأطفال منذ سجلاته المبكرة في اليونان القديمة وروما إلى الوقت الحاضر، وخلص إلى أن الأطفال في المجتمع المتمدن صاروا أقل نشاطا بصورة متزايدة، بسبب التخلي عن اللعب التقليدي في الهواء الطلق، والعمل والأنشطة البدنية الأخرى والتحول إلى اللعب الافتراضي الذي يحدث من خلال الجلوس في الأماكن المغلقة، إلى جانب اتباع نظم غذائية غير صحية.  إن عواقب التخلي عن اللعب في الهواء الطلق قد تصبح بالفعل قضايا أساسية في رفاهية الأطفال.

عواقب الحياة الرقمية على الأطفال
عواقب الحياة الرقمية على الأطفال

يتسم نمط محتوى الحياة المرتكز على الشاشة بكونه غير مسبوق ليس فقط من حيث كيفية صياغة الأفكار والمشاعر، بل بسبب الآثار البديهية لعدم ممارسة الرياضة وعدم اللعب والتعلم في الهواء الطلق، في حين أن عددا متزايدا من المتابعين المتحمسين للتقنيات الرقمية قد يختارون في نهاية المطاف استخدام التقنيات عبر الأجهزة النقالة بصورة حصرية، فلا لايزال في الوقت الحاضر إنفاق قدر لا بأس به من الزمن في الجلوس أمام شاشة الحاسوب. وفي أي حال إذا كنا مشغولين بإرسال واستقبال الرسائل النصية والتغريدات عبر هواتفنا النقالة، حتى أثناء سيرنا، فما زلنا أقل احتمالا لممارسة قدر أكبر من الرياضة البدنية الشاقة مما كنا لنفعل خلال ذلك.
ثمة نتيجة واضحة للميل إلى الحياة الخاملة، واكتساب الوزن الزائد، تنبع السمنة من عوامل كثيرة، بما في ذلك تناول النوع والكمية الخطأ من الطعام، وكذلك انخفاض استهلاك الطاقة. ومن الصعب وضع ترتيب معين للأحداث: ما إذا كان الطفل الذي لا يحب الرياضة كثيرا سيكون أكثر انجذابا إلى الشاشة أم أن أسلوب حياة الشاشة لديه جاذبية تفوق تسلق الأشجار، وهو سناريو أشبه بسيناريو الدجاجة والبيضة، ويستحيل حله هنا. وبدلا من ذلك، نحن في حاجة إلى النظر إلى نمط الحياة الرقمية ككل، سواء من حيث زيادة الوقت الذي يجري انفاقه في بعدين وانخفاض الوقت الذي يجري انفاقه في ثلاثة أبعاد.
  سلطت الكاتبة سو بالمر Palmer، الضوء على هذا الموضوع في عام 2007 في كتابها "الطفولة السامة" والذي يتضمن قائمة بالأنشطة البسيطة التي يجب أن يكون الطفل قد مارسها قبل أن يصل إلى مرحلة المراهقة، مثل تسلق شجرة، والتدحرج أسفل تلة كبيرة، وتخطي حجر والركض تحت المطر. من المحزن أن هذه الأنشطة الطفولية التي كانت تعد أمرا مفروغا منه قبل جيل أو نحوه، أصبحت تسطر كأهداف محددة، والتي قد لا تتحقق بخلاف ذلك. وفي الوقت نفسه، وفي تقرير صدر أخيرا عن مؤسسة التراث القومي، جرت صياغة مصطلح "اضطراب نقص الطبيعة" nature deficit disorder ليس لوصف حالة مرضية حقيقية، بل بوصفه تعبيرا حيا عن نمط متوطن من السلوك، الذي أشار للمرة الأولى على الاطلاق إلا أننا صرنا منفصلين عن العالم الطبيعي مع كل جماله وتعقيده ومفاجآته المتواصلة.

تقول البروفيسورة تانيا بايرون Bayron، وهي طبيبة نفسية بريطانية اشتهرت خلال عملها كمعالجة للأطفال على شاشة التلفاز، "كلما تناقص وقت لعب الأطفال في الهواء الطلق، انخفض ما يتعلمونه لمواجهة المخاطر والتحديات التي سيواجهونها كبالغين. لا شيء يمكنه أن يحل محل ما يكتسبه الأطفال من الحرية واستقلالية الفكر من خلال تجربة أشياء جديدة في العراء. 
حتى المتعصب الرقمي الأكثر تشددا لا يمكنه الهروب من حقيقة بسيطة، وهي أن كل ساعة يمضيها أمام الشاشة، مهما كانت رائعة، أو حتى نافعة، هي ساعة تقضى من دون الإمساك بيد شخص ما أو استنشاق نسيم البحر، وربما يصبح الاسترخاء والاستمتاع في صمت، سلعة نادرة لدرجة أنه بدلا من أن يكون جزءا طبيعيا من الذخيرة البشرية، سيجد نفسه على قائمة الأمنيات المستقبلية الحزينة.
                                                                   جو فروست "تاريخ لعب الأطفال وبيئات العب"
                                                                   سو بالمر Palmer "الطفولة السامة"
مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

هناك تعليق واحد:

محامي يقول...

شكرا لك . المصادر التي تنقل عنها مفيدة جدا . اتنمي لك التوفيق في مدونتك

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا