لماذا لا نستطيع التوقف عن التفكير؟


من الناذر أن يطرح المرء على نفسه أسئلة مثل: لماذا لا يتوقف عقلي عن انتاج الأفكار؟ لماذا لا يمكننا أن أجعل عقلي مجرد صفحة بيضاء؟ ربما وأنت تقرأ هذه الأسطر ستتوقف وتحاول إيقاف هذا السيل الجارف من الأفكار التي تتخلق في عقلك باستمرار ومن لا شيء. بل حتى أن فكرة "سأتوقف عن التفكير" سيتولد عنها أفكارا أخرى ستلهيك عن هدفك الأساسي وهو التوقف عن التفكير. سأحاول في موضوعي هذا أن أعرض عليك عزيزي القارئ مجموعة من التفسيرات الأكثر منطقية لهذه الظاهرة البشرية. 

لماذا لا نستطيع التوقف عن التفكير؟
لماذا لا نستطيع التوقف عن التفكير؟

ربما نمط حياتنا الآمن والظروف الحضارية الحديثة جعلتنا بعيدين عن الأخطار التي تهدد حياتنا بشكل مباشر، فسماعنا لخشخشة العشب، ونحن نتنزه في حديقة عمومية، لا يعدو أن يكون مجرد لفحة برد أو مرور قط شارد. لكن الحياة لم تكن هكذا دائما، فالإنسان في بداية الخليقة كان دائما في حالة ترقب وتوجس، من مفترس يترصده وسط الحشائش أو تعبان ينتظره في احدى الزوايا.إن مثل هذه القرارات كانت مصيرية  بالنسبة لأسلافنا الأوائل.

فملكة اتخاد القرار التي يتكفل بها العقل البشري، يشترط فيها أن تتخذ القرار السليم في الوقت المناسب، وأي غلطة وأقل خطأ في التقدير، يمكن أن يكلف المرء حياته. وهذا يستوجب مخا يعمل باستمرار وبصفة دائمة، ومعروف اليوم، لذا الجميع أن دماغ الإنسان لا يمثل إلا 2 % من وزن الجسم، في حين أنه يستخدم 20% من طاقة الجسم. فالمخ أكبر مستهلك للطاقة في الجسم، ولهذا فنحن نحس بالجوع مباشرة بعد أدائنا لمجهود فكري، يستوجب التركيز لمدة طويلة. فهو دائما في حالة بحث عن الأدلة والبراهين والأسباب وعدد الفرص ونسب الأخطار، في كل الظواهر التي تعرض عليه من خلال الانطباعات الحسية. كما أن استمرارية التفكير هي التي أنقدت أجدادنا، من أن يكونوا وجبة دسمة للأسود والضباع في أدغال الساڤانا. وحتى في حياتنا المعاصرة تقوم أدمغتنا بنفس الدور. فتفكيرنا الاستباقي، يدرس الاحتمالات من حولنا، فصحيح أننا تخلصنا من خوفنا من المفترسات، لكننا لا زلنا مهددين بالافلاس وجموع النصابين والمحتالين. كما أننا نحب دائما أن  نحسن من حياتنا بالبحث عن الفرص، و أحسن الوظائف، ومن بإمكانه مساعدتنا؟ ومن يشكل خطرا علينا؟ إنه اشبه بمحرك بحث عملاق. فالعقل يجري حسابات وسيناريوهات لما يمكن أن يحدث، وكيف يمكن أن يتقدم في السلم الوظيفي أو الاجتماعي أو المالي؟ ويقارن نسب النجاح بحجم المخاطر في كل سيناريو محتمل. فعمل أدمغتنا على مدار الساعة ليس أمرا تافها ولكنه أمر ضروري ومفصلي في حياة كل منا.    

مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا