فيروسات العقل

 لقد تنبه الفلاسفة قديما إلى صعوبة ثني أي شخص و دفعه للتخلص من أفكاره أو تغييرها وقد لمسوا ذلك أثناء مناقشاتهم السوفسطائية حيث يتمسك كل فرد بوجهة نظره, مهما كانت المبررات والذرائع الذي يتحجج بها الآخر , فأي قوة تجعل من مجرد فكرة معتقدا راسخا يصعب اجتثاثه من أعماق العقل . حتى أن بروتاغوراس قال "الإنسان مقياس كل شيء" أي أنه لا وجود للحقائق خارج عقل الإنسان بل إن الإنسان هو المعيار الوحيد في تحديد الصواب والخطأ والحقيقة والزيف.لن أخوض كثيرا في صحة قول بروتاغوراس لكن سأحاول أن أبحث عن علة سيطرة الأفكار على عقول بني البشر. وما يجري بالفعل في أدمغتنا ولماذا تقاوم عقولنا الأفكار الجديدة المخالفة للنموذج الذي وضعناه لفهم العالم والمحيط من حولنا؟
فيروسات العقل
فيروسات العقل

وسأستند هنا إلى دراسة حديثة أجريت مؤخرًا وأوضحت أن المخ يشرع في القيام ببعض الأفعال، على الأقل، قبل أن نعي أننا اتخذنا قرارًا ما. ففي بحث نُشر عام 2013، قام عالم الأعصاب جون ديلان هاينز وزملاؤه العاملين في مركز بيرنستين لعلم الأعصاب في برلين، بجعل المتطوعين يقررون ما إذا كانوا سوف يقومون بعمليات طرح أو إضافة رقمين في أثناء وجودهم داخل جهاز مسح الرنين المغناطيسي. وجد هؤلاء الباحثون أنماط نشاط عصبي تصلح للتنبؤ بما إذا كان المتطوع سوف يختار أن يجمع أو يطرح قبل أربع ثوانٍ من وعيه باتخاذه القرار المحدد بوعي وهذه فترة انتظار زمنية طويلة للغاية.
فالوعي ليس إلا المرحلة الأخيرة من عدة مراحل سابقة له و أنك عندما تشعر و كأنك اتخذت قرار ما فهذا ليس إلا وهم دماغي يبرر آليات الوصول إلى القرار. الفكرة هنا أنك لست قبطان جسدك و أنما فقط في وظيفة المراقب الذي يشعر و كأنه مسيطر على الجسد.
فالدماغ يستقبل ملايين الرسائل الوافدة من مراكز الاستشعار المتصلة بالحواس هذه الرسائل يتم ترجمتها و تحويلها إلى نموذج افتراضي يتماشى مع أقرب تصور للواقع. يتم تحليل المعلومات و ارسالها للأقسام المختصة للبناء عليها و التفاعل معها. فالعقل يفسر الرسائل الواردة بأفضل طريقة ممكنة تؤمن سلامة الجسد بالدرجة الأولى. فهدف هذه العملية ليس التوصل إلى حقائق موضوعية و إنما رسم تصور يساهم في بقاء النظام على قيد الحياة. مثلاً في حال أنك سمعت صوت مجهول في منزلك فأول ما سيخطر في بالك هو وجود لص أو خطر ما يمكن أن يهدد حياتك. أنت لا تبدأ بافتراض أنها نافذة المطبخ المفتوحة و أنه صوت الريح. افتراض الخطر أولاً هي استراتيجية رابحة لأن ارتكاب استنتاج خاطئ في حال وجود خطر حقيقي سيكون مكلف جداً (ربما الموت) بينما اكتشاف أن الشعور بالخطر لم يكن إلا انذار خاطئ فستكون تكلفته ليست سوى بعض الافرازات الهرمونية من الأدرنالين و يعود بعدها كل شيء إلى طبيعته.
من هذا كله أردت فقط أن أوضح أن الدماغ ليس وسيلة للوصول إلى حقائق موضوعية و إنما لقيادة الجسد بشكل يضمن بقائه حتى مرحلة التكاثر على الأقل. كل من لم يكن دماغه كذلك تعرض للانقراض و خرج من المجمع الجيني. إذاً المنطق البشري و العمل الدماغي ليسا معيار تقاس به الحقائق.
وتشبيهي للأفكار للفيروسات ليس محض صدفة ولست الوحيد الذي قال بذلك فالفيروسات كائنات طفيلية لا يمكنها أن تعيش إلا داخل جسم المضيف وهي تعمل على اختراق نواة الخلية والتعديل في جيناتها لاستنساخ شبيهاتها. فمثلاً فيروس الرشح ينتج عنه حالة سيلان مخاطي و عطس ليس كنتيجة للمرض و أنما كآلية للانتشار. أنت لا تعطس إلا لأن الفيروس الذي أصابك يحتاج أن ينتشر إلى أكبر عدد ممكن من الناس و لهذا يصيب جهازك التنفسي و يجبرك على العطس.
إذاً العقل هو الحاضنة الطبيعية للأفكار و آليات انتشار الأفكار شبيهة بآليات انتشار الفيروسات إذ أن الافكار التي لا قيمة لها على أرض الواقع و لا تمثل شيء ملموس هي أفكار غير ناجحة في الانتشار و ستنقرض. أنت لا تستطيع حماية نفسك من الأفكار مهما كانت قيمتها المعرفية بالنسبة لك. هذه الأفكار لابد أن تدخل دماغك و لكن تعليمات الفكرة هي ما سيحدد مصيرها في حاضنتك الدماغية. فرص نجاح الفكرة في الاستيطان في دماغك يرتبط بمحتوى الفكرة و مدى قدرتها على الاندماج مع أفكارك المسبقة الأخرى.
ملخص هذه الفقرة أن الافكار هي عبارة عن معلومات دماغية تنتشر عبر معايير تعتمد على مدى سهولة تداولها و قدرتها في توصيف الواقع. كلما كانت الأفكار تحاكي الواقع كل ما كان أسهل عليها الإنتشار. مثلاً فكرة أن الشمس ستظهر غداً صباحاً هي فكرة رائجة جداً لأنها تحاكي واقع مجرب مسبقاً و لا تتناقض مع أفكار آخرى مثبتة.
يجدر الذكر أن الأفكار لا تأتي بشكل فردي و إنما عادة تأتي ضمن حزمة من الأفكار الآخرى التي تتطور مع بعضها و تتغير و تتطور بشكل يساعدها على البقاء و التأقلم. البقاء للأفكار الأكثر قدرة على الانتشار و التطور. الأفكار الجامدة الغير قابلة على التغير تنقرض و الأفكار التي تؤدي إلى موت صاحبها قبل التكاثر ستنقرض أيضاً. مثلاً لو أن فكرة معينة تطورت و مفادها أن على الأطفال الإنتحار في سن الثامنة فإن كل من يحمل هذه الأفكار سيموت قبل الوصول لمرحلة التكاثر و بالتالي هذه الفكرة ستنقرض تدريجياً بسبب انقراض مضيفها. الدماغ هو وسيلة الأفكار للانتشار. كيف يتم قبول و رفض الأفكار: الدماغ يعمل بطريقة استقدام المعلومات السابقة طوال الوقت. بعض المعلومات يتم توثيقها على أنها حقائق مثبتة و طالما أن الفكرة المطروحة لا تتعارض مع أفكار سابقة مثبته فهي فكرة مقبولة مبدئيا. يجب التنويه هنا أن الدماغ لا يهمه إن كانت هذه الأفكار فعلاً صحيحة و إنما أنها دائماً تتطابق مع القالب المرسوم للواقع.
لماذا لا نقتنع؟
الأن لماذا لا نستطيع اقناع الآخرين بتغيير أفكارهم بسهولة؟ تخيل معي أن دماغك عبارة عن معمل كبير فيه مسننات متنوعة منها الكبير و منها الصغير و جميعها مترابطة و تعتمد على بعضها البعض لاستمرار الدوران و العمل.
كل مسنن من هذه المسننات يمثل فكرة ذهنية معينة استقدمتها أنت في وقت ما عبر ظرف ما. كلما كانت هذه المسننات قديمة (منذ الطفولة) كل ما كان صعب تبديلها بسبب تعقيد فك المسننات التي أتت بعدها. يعني تبديل مسنن واحد بسيط قد يتطلب تبديل مئات المسننات الآخرى التي بنيت عليه. عملية بناء الأفكار هي عملية تراكمية كل فكرة تعتمد على فكرة سبقتها تم قبولها. عملية بناء الأفكار هي عملية مكلفة دماغياً و تستهلك موارد غذائية و زمنية.
وهذا يعني أن لكل مسنن من هذه المسننات قيمة مادية معينة من الموارد (عذاء، وقت) قمت أنت بصرفها سابقاً. عندما يأتي أحد الأشخاص ليقدم لك فكرة جديدة عليك أن تقوم باستقبال الفكرة و  تحليل محتوها و تتساءل إن كانت تتناقض مع أفكارك السابقة. ما هي تكلفة تبديل هذا المسنن؟ ما هي تداعيات اضافة هذا المسنن على المجموعة؟ ما هي الفائدة من تبديل هذه الفكرة بالنسبة لي؟ هل قالبي الدماغي الإجمالي سيعمل دون تناقضات؟ أنت تقوم بكل هذه الامتحانات السريعة ثم تتخذ قرارك إما بقبول الفيروس الفكري أو رفضة. أنت لا تتقبل الأفكار بناء على محتوها الموضوعي في البداية و إنما بناء على تكلفتها الدماغية عليك إن كانت لا تتناقض مع أفكار أخرى فهذا يعتبر ربح ذهني إذ أنك أضفت قيمة معرفية دون تبديل أي من المسننات و لكن إن كان عليك التبديل فهذا سيعتمد على مدى تناغم هذا المسنن الجديد مع بقية مسنناتك الحالية. لهذا يجدر بنا تقديم المعلومات بشكل لا يظهر خطر استبدال النظام الفكري بأكمله و إنما استهداف مسننات صغيرة هنا و هناك حتى يصبح لدينا كمية كافية من التناقضات في النظام تجعل من عملية تبديل النظام عملية أقل تكلفة.
                                                         
                                                              Virus of the Mind Livre de Richard Brodie



مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق