رينيه ديكارت الفيلسوف الذي أخرج اليقين من جوف الشك


القرن 17 غالبا ما يدعى بعصر المنطق, لأن المدرسة الفكرية المعروفة بالعقلانية كانت مدرسة الفكر السائدة خلال تلك الفترة. وربما أهم شخصية يمكننا التكلم عنها, وهي تمثل بحق هذا العصر الحديث هي شخصية "رينيه ديكارت" الذي عاش بين عامي  1596و 1650  تعلم ديكارت لدى اليسوعيين لكن مجال تخصصه الأساسي هو الرياضيات


صورة زيتية لرينيه ديكارت


الظروف السياسية والفكرية التي شكلت فكر ديكارت:


 وهذا أمر مثير للاهتمام فعدد كبير من فلاسفة هذه الحقبة العقلانية كانوا علماء رياضيات أيضا, وهذا يذكرنا بأفلاطون الذي وجد علاقة وثيقة بين الفكر الفلسفي والمفاهيم الحسابية, في نظرية المثل الخاصة به. على اعتبار أن الرياضيات هي شكل من أشكال المنطق الرمزي ويجدر بالذكر أن جل المكتشفات العلمية الصناعية والفلكية وغيرها في تلك الفترة جاءت نتيجة النظريات التي طرحها علماء الرياضيات فنيوتن هو الذي اكتشف الفيزياء الجديدة وهو في الأساس عالم رياضيات. فغالبا ما كانت تنقل المعادلات الحسابية من على الورق ليتم ترجمتها على أرض الواقع.
فمثلا أجرى أحدهم دراسة على أقمار المشتري ورأى أنه من الناحية الحسابية لا بد من وجود واحد إضافي في مكان ما ووجه المنظار نحو الفضاء فوجده. مما طبع تلك الحقبة من التاريخ بشعور جامح من التفاؤل. في ما يتعلق بقدرة الرياضيات على فك شيفرة الكون وتولي زمام أمور العلوم كلها. وسنتعرف أكثر على هذه النزعة حين نتطرق إلى فكر ديكارت.
بدأ ديكارت عمله خلال هذه الثورة الجذرية, حينما أوشكت سلطة الكنيسة على الانهيار والبنى السياسية في أروبا قد تغيرت. فكانت تلك فترة مقلقة جدا لذى الكثيرين لأن الكنيسة في ما مضى كانت تجيب على جميع أسئلة الناس. إلا أن الإصلاح البروتستانتي تسبب في أكبر انحلال لوحدة الكنيسة المؤسسية في تاريخها, فأصبح الناس يسيرون في الشارع ويتساءلون "من الذين يمكنني الوثوق بهم؟ من الذي يجدر بي تصديقه؟ هل أصدق الكاثوليكيين أم اللوثريين أو الكالفينيين أم غيرهم؟ مما أصاب الروح البشرية بالقلق الشديد, في مسألة الحق برمته, وكان رد بعضهم ممن يئسوا من السعي وراء اكتشاف الحقيقة على ذلك بنوع جديد من النزعة الشكوكية .

الفلسفة الشكوكية المنهجية عند ديكارت:

لكن لم تكن هذه حال "ديكارت" الذي واجه تلك الحالة من التشويش والشكوكية, و قال "أريد البحث عن اليقين" وبما أنه كان يتخصص في علم الرياضيات, كان يحاول البحث عن حقائق أكيدة بالنسبة إليه, بقدر الاستنتاجات التي يمكن التوصل إليها. عبر القيام بعمليات حسابية فألف كتابا مهما جدا بعنوان "المحاضرة حول الطريقة"   DISCOURS ON METHODوالذي عرض فيه أسلوبه وطريقة تفكيره, في التوصل إلى اليقين والحقيقة. وقال إن طريقة البحث عن الحقيقة تتضمن عنصرين هامين هما البداهة والاستنتاج, والمقصود بالبداهة هنا هو ذلك الحس الباطني بمنطقية فكرة معينة بطريقة واضحة لا تقبل الشك إلى درجة أنه لا يمكن لأي أحد أن ينكرها, فإن توافرت لديك تلك المسلمات أو الحقائق الأولية الأساسية فالشك فيها يعني التأكيد عليها لأنها معطيات يفرضها عليك الواقع.
أما الجزء الثاني من طريقته فيقضي بتطبيق مبادئ الاستنتاج والذي عنى به ديكارت استخلاص استنتاجات من مقدمات منطقية, وهو أول قانون أخد به أرسطو في منطقه وهو قانون عدم التناقض بين المقدمات المنطقية فمثلا, إن كان جميع الناس مائتون وهو تأكيد إيجابي عام, ثم نضيف إليه الافتراض الثاني بأن بعض الناس مائتون, هل يكون الافتراض الثاني صحيحا إذا كان التصريح الأول حقيقي , بالطبع سيكون صحيحا لأن اعتبار التأكيد العام صحيحا سيجعل من التأكيد الخاص صحيحا أيضا. وهذا ما يصطلح على تسميته بالاستنتاجات الفورية أو الضرورية كأن نقول جميع البشر مائتون وسقراط بشري إذا سقراط مائت, أدرك علماء المنطق ومن جملتهم ديكارت أن هذا الاستنتاج ناتج بالضرورة عن المقدمات المنطقية.
يقول ديكارت في كتابه" في المواضيع التي نقرر دراستها, يجب بناء تحقيقاتنا  ليس على أساس ما ظنه الآخرون ولا على أساس الحدس الذي نشعر به, بل ما نعاينه بوضوح ونستنتجه بثقة" والنقطة التي يوضحها ديكارت هنا هو أن رأي الكثرة ليس دائما صحيح, فمجرد اتفاق الناس على أمر معين لا يجعل منه صحيحا, وهذا يمكن اثباته تاريخيا فعلى مر العصور تناقل الناس معارف وتقاليد وتم التيقن فيما بعد بأنها مغلوطة, حتى أن ديكارت قال في مرة "لا تخبروني بما يعتقده الآخرون, بل اعطوني برهانا وآروني صحته" وقال أيضا في سياق آخر "حتى حدسي الخاص لا يعطيني يقينا" لدى قرر ديكارت الانكباب على الحقائق الأساسية التي لا تقبل الجدل , انطلاقا من ذلك, عرض ما أسماه بعملية الشك المنهجي الذي استطاع بموجبها أن يشك في كل فكرة سمعها في حياته أو تبادرت إلى ذهنه طيلة وجوده.
فشك في إن كان فعلا يرى جسمه وإن كانت يده التي يلوح بها أمام وجهه موجودة فعلا, مما جعله يشك في حواسه, فقال" كيف أعلم ما إذا كان ما أراه في العالم الخارجي موجود فعلا أم أنه مجرد هلوسة في ذهني, أو وهم ناتج عن روح شريرة تخدعني, فلا يمكنني في آخر المطاف أن أتوصل إلى يقين مطلق فيما أراه في العالم الخارجي, ولن اثق أيضا بالسلطات اللاهوتية ولا العلمية, وسأشك بكل ما يمكنني الشك به" فشرع ديكارت يشك بكل شيء, لكن الأمر الوحيد الذي لم يقدر على الشك به, هو كونه يشك, لأنك إن شككت بكونك تشك فما الذي تفعله؟ فأنت تشك. إذا ثمة أمر واحد أنا متأكد منه وهو أني أشك, وإن شككت بكوني أشك فأنا أثبت أني أشك , فالشك في الشك يتطلب شكا. فتوصل أخيرا إلى استنتاج أكيد وهو أنه يشك.

ثم قال "ما الأمر الآخر الذي تقتضيه بوضوح فكرة شكي؟" ثم استنتج أن عملية الشك تستدعي التفكير. لأن الشك شكل من اشكال التفكير, ثم قال "إن كنت أشك, فأنا أعلم أني أفكر وهذا يعني أني أمتلك فكرا, و ذلك أيضا يستوجب وجود ذات مفكرة, وإن كنت أفكر وأشك وأمتلك ذات مفكرة فأنا موجود" والتي لخصها في عبارته الشهيرة "كوغيتو إيريغو سوم" "Cogito Ergo Sum " وفي الأخير توصل لأمر يمكنه الوثوق به وهو وجوده.
بعض الناس سينظرون لذلك ويضحكون قائلين يا له من مجهود ضائع لمجرد التوصل إلى استنتاج قائم لدى الجميع منذ البداية, لكن من المهم جدا فهم العقلانية, لأن نقطة الانطلاق لكل بحث منطقي الآن هي الوعي الذاتيSelf Consciousness, والتي تعني وفق ديكارت نقطة الإنطلاق الوحيدة للأمور, لأنني لا يمكنني  أن أنطلق  في أي بحث فلسفي  من وعي الناس أو من أي شيء آخر. بل من وعيي بذاتي لاعادة بناء المعرفة من جديد.

                                         المصادر: كتاب رينيه ديكارت "   DISCOURS ON METHOD
                                                   تاريخ الفلسفة لويل ديورانت

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا