وقفة مع علماء عصر التنوير



بدأ عالمنا المعاصر بالظهور إلى الوجود على أيدي علماء ومفكري أوروبا في القرن السابع والثامن عشر الميلادي. ويرجع الفضل في ذلك إلى أربعة علماء على وجه التحديد، الذين مهدوا الطريق لهذا الأسلوب العلمي الجديد. فنسفت اكتشافاتهم معتقدات القرون الوسطى عن علم الكونيات.
وقفة مع علماء عصر التنوير
لوحة تجسد الحياة الثقافية في عصر التنوير

الأرض ليست مركز الكون:

أول مفاجأة مذهلة حررت العالم، الذي كان منزعجا من معتقدات القرون الوسطى كان الاكتشاف القائل بأن الأرض لم تكن مركز الكون. ولحكمة ما، لم يذكر كوبرنيك (1434-1543) ذلك علنا. لكن موجات الصدمة التي خرجت من نظريته حول مركزية الشمس هزت الكنيسة في العصور الوسطى. وبين كيبلر(1571-1630) أن الكواكب لا تتحرك على شكل دائري وإنما على شكل بيضوي. إضافة لذلك استخدم غاليليو (1564-1642) التلسكوب ليبين للناس أن حتى الأجرام السماوية لا يمكنها أن تبلغ حد الكمال، فالقمر تغطيه فوهات نيزكية وبركانية، وأن لكوكب المشتري أقمارا.

كون نيوتن الميكانيكي

وتابع نيوتن (1642-1727)هذه الملحمة بحساباته التي بينت أن الكواكب لا تخضع لقوانين خاصة بها وإنما تتبع قواعد الأشياء الموجودة على الأرض .فكل شيء ينصاع لقوانين ميكانيكية دقيقة رياضيا، ولم يعد هناك متسع للأرواح وادعاءات الكهنة ولا متسع لقوى إمبيدوكليس عن الحب والنزاع ، فالأشياء لا تتحرك وتتوقف لأنها أرادت ذلك، ولكنها في الحقيقة مجبرة على فعل ذلك، حسب القانون الأول للحركة حسب نيوتن لم تعد الحركة تشير إلى الحياة أو الروح، وإنما مجرد تغيير في السرعة أو الاتجاه بسبب قوة خارجية، وهكذا أصبح العالم على نحو مذهل ماديا باردا للغاية وميت، فبدل الأرواح و النوايا ظهرت قوى ميكانيكية تسير وفق قوانين رياضية صارمة وكانت المعجزة التكنولوجية لذاك الزمن هي  الساعة الميكانيكية التي أصبحت رمزا مجازيا للكون نفسه ، فباختراعها بدأ الزمن يسجل وأجبر الكون على النبض في الوقت المحدد.

ديكارت يعطي تفسيرا ميكانيكيا للحياة:

لم تكن فقط الأشياء غير الحية التي أرغمت على الانحناء إلى الروح الميكانيكية الجديدة لعصر التنوير، فقد رأى رينيه ديكارت (1650-1596) أن الحيوانات أيضا أجهزة ميكانيكية محضة بلا شعور ولا وعي. كما يمكن أن تعلل عمليات الجسم باستخدام القوانين الميكانيكية. فالأعصاب مثلا، كانت تعمل كأنابيب هوائية تنقل تغييرات ضغط روح الحيوان (النفس العقلية) من نهايات الأعصاب إلى الدماغ. ومن هنالك، خلال أعصاب أخرى، إلى العضلات حيث كان الضغط يضخم العضلات. وتابع مقارنا الوظائف العصبية للجسم والعقل بالدمى المتحركة والأنيقة، التي تتحرك بأنابيب هيدروليكية. وترك ديكارت فتحة صغيرة للروح في الغدة الصنوبرية (في مركز الدماغ) وقال بأن الروح تختلف جوهريا عن المادة ولا تخضع لقوانين الطبيعة ولكنها تتفاعل مع الجسم وهي غير قابلة للانقسام أو التمدد، وهي التي تشكل الأفكار والإرادة والرغبات، وبهذا يكون كل شيء حي على الأرض بما في ذلك الإنسان ما هو إلا ألة تعمل كالساعة.  

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا