التعريف بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان


إن الاهتمام المتزايد للمجتمع الدولي بضرورة تمتع بني البشر في كل مكان بكافة الحقوق والحريات، أدى بالأمم المتحدة إلى مزيد من العناية بتعزيز وحماية الاحترام العالمي لحقوق الإنسان ومراعاة حرياته الأساسية.

وتوجد لهذا الاهتمام أصول مرجعية أهمها: المرجعية الدينية، والمبادئ الإنسانية لعصر النهضة، ونضال الشعوب من أجل تقرير المصير ونيل الاستقلال والمساواة، إلى جانب جملة من آراء الفلاسفة والمفكرين من مختلف المشارب، بالإضافة إلى تأثير أحداث مثل "الماجنا كارتا" عام 1215، إعلان الحقوق الذي وافق عليه البرلمان البريطاني سنة 1689، وإعلان الاستقلال الذي أصدره ممثلوا المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشر سنة 1776، وموافقة الجمعية الوطنية الفرنسية على إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789.

التعريف بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان
التعريف بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى ترجم ذلك الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان إلى مواد معينة تضمنها ميثاق عصبة الأمم، والتزمت الدول الأعضاء في هذه العصبة بالسعي لتهيئة ظروف العمل الإنسانية للرجال والنساء والأطفال وكفالة المعاملة العادلة للسكان المحليين في مستعمراتهم، وذلك بمقتضى نظام الانتداب الذي أنشأه الميثاق، إلى جانب معاهدات السلام التي تمت في 1919، وكذا المعاهدات الخاصة بالأقليات وغيرها من الإعلانات، التي أوجدت نظاما لحماية الأقليات اللغوية والإثنية والدينية تحت كفالة عصبة الأمم.
ولعل الأحداث التي وقعت قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وما حققه التعاون الدولي من تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الناس دون تفرقة بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين. كان لها دور أساسي في بلورة فكرة حقوق الإنسان بشكل أوضح، انطلق مع إدماج مجموعة من المقتضيات في ميثاق الأمم المتحدة، منها ما نصت عليه المادة الأولى التي اعتبرت من بين الأهداف الرئيسية لهذا المنتظم الدولي: تحقيق التعاون الدولي... عن طريق تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، دون تفرقة بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين. وهو ما أكدته المادة 55، كما أوضحت المادة 56 أن الدول تلتزم بالعمل فرادى أو جماعات بالتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق هذه الأهداف.
وفي هذا السياق، فقد وضعت مجموعة من الصكوك، حددت حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 دجنبر 1948) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (16 دجنبر 1966).

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحقوق التي يؤسسها

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الإعلان الدولي الأساسي لما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من حقوق غير قابلة للتصرف ولها حرمتها. والمقصود به، أن يكون هو المعيار المشترك الذي تقيس به كافة الشعوب والأمم منجزاتها في ما يبذل من جهود لتأسيس الاعتراف بما يتضمنه من حقوق وحريات ومراعاتها عالميا وعمليا.
ففي العاشر من دجنبر 1948، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة قومية وعالمية لضمان الاعتراف بها، ومراعاتها بصورة عالمية وفعالة بين الدول الأعضاء ذاتهاوشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.

أهم الحقوق التي يؤسسها الإعلان 

يقتضي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ديباجة وثلاثين مادة، تحدد مجمل الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، للرجال وللنساء في العالم أجمع، دون تمييز وهكذا:

المادة الأولى: تحدد المبادئ الفلسفية التي يقوم عليها الإعلان العالمي، حيث تؤكد على أنه:
يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء.

المادة الثانية: وتحدد المبدأ الأساسي للمساواة وعدم التمييز فيما يتصل بالتمتع بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان، حيث تحظر أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر.

المادة الثالثة: تحدد الحجر الأساس الأول في هذا الإعلان، حيث تؤكد أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه، وهذه هي الحقوق الضرورية لكي يتمتع الفرد بجميع الحقوق الأخرى.

المواد من 4 إلى 12: وتتضمن الحقوق المخولة لكل فرد بتفصيل، حيث نجدها تؤكد الحقوق المدنية والسياسية المعترف بها، إلى جانب الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه كالتحرر من الاسترقاق والاستعباد وعدم التعرض للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط من الكرامة، وحق كل إنسان أينما وجد في أن يعترف بشخصيته القانونية، والحق في إنصافه قضائيا، وعدم التعرض للقبض التعسفي أو الحجز أو النفي، والحق في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة، إلى جانب حقه في أن يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته، وحقه في أن لا يتعرض لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته؛ وحرية التنقل؛ واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، وحق اللجوء إلى بلاد أخرى هربا من الاضطهاد؛  وحق التمتع بجنسية ما دون تعسف أو إنكار في تغييرها؛ وحق التزوج وتأسيس أسرة دون قيد بسبب الجنس أو الدين ودون تمييز بين الرجل والمرأة سواء عند قيام الزواج أو عند انحلاله؛ حيث لا يتم ذلك إلا برضى الطرفين؛ وحق الملكية الخاصة، حيث أن لكل شخص الحق في التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره؛ والحق في حرية التفكير والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية؛ والحق في الاشتراك في تسيير وإدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا، وأن لكل شخص نفس الحق كما لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد، وأن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة.

المادة 22: تمثل الحجر الأساسي الثاني في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث تأتي كمقدمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان التي تمثلها المواد من 23 إلى 27، وهي الحقوق التي يكفلها الإعلان أن لكل فرد باعتباره عضوا في المجتمع، وهي الحق في العمل وحرية اختياره وفي الحماية من البطالة، والحق في أجر مساو للعمل دون تمييز، بحيث يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، والحق في إنشاء أو الانضمام إلى نقابة لحماية مصلحته؛ والحق في الراحة وأوقات الفراغ وتحديد ساعات العمل والعطل الدورية مقابل أجر؛ والحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ولتأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته، كما أن للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين؛ والحق في التعلم والتربية الهادفة إلى إنماء شخصية الإنسان وتعزيز احترامه، وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية ودعم جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام.

المواد من 28 إلى 30: تعترف هذه المواد بحق كل إنسان في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه جميع الحقوق والحريات الأساسية للإنسان المنصوص عليها في هذا الإعلان، حيث يؤكد على واجبات الفرد ومسؤولياته اتجاه مجتمعه، وأن ضمان حقوقه رهين بضمان الاعتراف بحقوق الغير وتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والإصلاح في مجتمع ديمقراطي تمارس فيه الحقوق دون تناقض مع أغراض الأمم المتحدة.
وتنص المادة الثلاثون على التحذير بأنه لا يوجد بهذا الإعلان ما يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان.

وفي الواقع، فإن هذا الإعلان قد شكل منطلقا وإطارا مرجعيا للعديد من التشريعات الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان؛ كما هو الأمر مثلا بالنسبة لإعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 20 نونبر 1963، أو المعاهدة الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، الموقعة في روما يوم 4 نونبر 1950...

علاوة على ذلك، تصبح كل دولة طرف ملزمة طوعيا بأن تجعل تشريعها وممارستها الوطنيىة متلائمة مع الالتزامات القانونية الدولية. وتصبح كذلك مسؤولة اتجاه مواطنيها واتجاه الدول الأطراف الأخرى واتجاه المجتمع الدولي بأكمله، فتلتزم رسميا باحترام وكفالة الحقوق والحريات المنصوص عليها في تلك الصكوك. وتطلب العديد من معاهدات حقوق الإنسان الدولية، من كافة الدول الأطراف أن تقدم تقارير دورية عن الإجراءات والخطوات التي تكون قد اتخذتها لكفالة تحقيق هذه الحقوق، ومدى التقدم الذي أحرزته لتحقيق هذا الهدف.

العهدان الدوليان والحقوق التي يحميانها

منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خطا المجتمع الدولي خطوات واسعة في ترجمة هذا الإعلان إلى حقيقة عالمية، وتدعيمه بنصوص أخرى تشمل باقي المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان بشكل وفر مجموعة دولية واسعة النطاق من قواعد حقوق الإنسان يحتل فيها العهدان الدوليان الخاصان بحقوق الإنسان مكان الصدارة.
وفعلا، فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 دجنبر 1966 مشروعي معاهدتين: أولاهما تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والأخرى بالحقوق المدنية والسياسية.
في الواقع، فإن استقراءا سريعا لمحتوى العهدين، ولاسيما ديباجتهما يبين أنهما لم يكتفيا بترديد المبادئ العامة الواردة في كل من الميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإنما حاولا إرساء التزامات محددة بالاعتراف بالكرامة اللصيقة والواجبة لأي عضو من أعضاء العائلة البشرية وبالحقوق المتساوية، والعمل على ضمان الاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان.
وعلى صعيد آخر، فإن هذين العهدين قد ارتقيا بجهود الأمم المتحدة، من مستوى الوعي والاعتراف، إلى مستوى حماية هذه الحقوق، من خلال الانتقال من مجرد الاختيار إلى الإلزام عن طريق إقرار التزامات قانونية واضحة، لا يمكن للدول أن تتنصل منها بسهولة.
ومن حيث المحتوى، فقد تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان ديباجة وإحدى وثلاثين مادة أقرت مبدأ المساواة بين الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في العهد، والحق في العمل الذي يعني إتاحة إمكانية كسب الفرد لرزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، انطلاقا من شروط عادلة ومرضية. وفي نفس السياق، فقد تعهدت الدول بكفالة حق كل شخص في التكوين والانضمام للنقابات التي يختارها. وكذلك حق هذه الأخيرة في ممارسة نشاطها بحرية، بما في ذلك حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعني. 

ومن الناحية الاجتماعية، أقر العهد حق كل شخص في الضمان الاجتماعي، والرعاية الكافية والتربية والتعليم من خلال كفالة إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي والصحة للفرد ولأسرته.
وعلى الصعيد الثقافي، أكد العهد ضرورة مشاركة الفرد في الحياة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته، وحريته التي لا غنى عنها في البحث العلمي والنشاط الإبداعي.

أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد أكد مجموعة من الحقوق، انطلاقا من النص على الحق في الحياة، الذي رغم كونه حقا طبيعيا وملازما للإنسان، فإن لجوء بعض الأنظمة الحاكمة إلى إهداره تعسفا لأسباب عنصرية أو عقدية أو سياسية، قد أملى ضرورة التأكيد عليه من خلال منع إخضاع أي فرد للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، أو العقوبة القاسية، أو إخضاعه للعبودية أو العمل الإلزامي.

الاتفاقيات الدولية الضامنة لحقوق الفئات المختلفة 

لم يقتصر التشريع الدولي على استصدار هذه المعاهدات ذات الطابع العام، بل تم إقرار مجموعة من الاتفاقيات التي استهدفت حماية بعض الفئات أو القطاعات الخاصة من حقوق الإنسان يمكن أن نشير إلى البعض منها وهي:
  1. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948).
  2. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملات أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (1984).
  3. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965).
  4. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979).
  5. اتفاقية حقوق الطفل (1989).
  6. إعلان الأمم المتحدة حول الحق في التنمية (1986).
إن الخطوات الهائلة التي قطعتها الجهود الدولية من أجل إقرار واحترام ضمان حقوق الإنسان، لا يمكن أن تخفي الخروقات والعراقيل التي يواجهها هذا المسلسل. وهي تأخذ طابعا مأساويا أحيانا، لاسيما في الظروف الاستثنائية، كالحروب بأنواعها، والأزمات الحادة، الأمر الذي يتطلب الإلتزام بالقانون الدولي الإنساني.

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

موضوع متكامل وغني شكرا لكم على الطرح القيم

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا