بسيكولوجيا صناعة الإرهابي والمتطرف


 مسمى " إرهابي" يحيلنا على تصور شخصية "سادية" طافحة بالأمراض والعقد النفسية، تتلذذ بتعذيب وقتل ضحاياها ولا تملك أدنى مشاعر الرحمة أو الإنسانية. هذه الصورة القاتمة يتم تسويقها لنا عبر وسائل الإعلام والصناعة السينمائية لترسيخها في الوعي الجمعي لدى عامة الناس، لكن الدراسات النفسية النزيهة تؤكد أن أغلب من انساقوا وراء التيارات العدوانية هم في الأصل أناس عاديون وطيبون , ولكن تم اقتيادهم تحت ذرائع تبدو نبيلة وعادلة لقتل الأبرياء وإيذاء الآخرين.
ولكن كيف يمكن التأثير على أناس طبيعيون وجعلهم أدوات للقتل والتنكيل بأناس لا ذنب لديهم إلا أنهم تواجدوا في الوقت والمكان الخاطئين؟
بسيكولوجيا صناعة الإرهابي والمتطرف
بسيكولوجيا صناعة الإرهابي والمتطرف

تستغل القيادات المتطرفة ديناميكا المجموعات أو تقنيات قيادة الحشود فيكفي إيجاد سبب لجذب واستمالة الأنصار. فـداعش مثلا استفادت من انتشار الظلم والمواقف غير العادلة للعالم الغربي اتجاه العالم العربي والإسلامي، فاستنكار ما يحدث في العالم سيؤدي بالضرورة إلى تأجيج غضب وسخط المنضوين تحت راية داعش.

تجارب اطاعة السلطة لستانلي ميلغرام وزيمباردو

 العديد من الناس تفترض أنه فقط السادي أو من يعاني من اضطراب نفسي قادر على ارتداء حزام ناسف أو قادر على استخدام السيف للقيام بعملية إعدام. لكن وبكل أسف فإن هذا الافتراض خاطئ. والفضل يعود في معرفة ذلك الى الدراسات الكلاسيكية في الستينات والسبعينيات والتي عرفتناأنه حتى الانسان العادي والذي لا يعاني من أي خطب قادر على التسبب بالأذى لآخرين رغم أنهم لم يسببوا له أي أذى مطلقاً. مثال على ذلك تجارب ستانلي ميلغرام “إطاعة السلطة”، والتي أظهرت مقدرة المشاركين على توجيه صعقة كهربائية لآخرين بمجرد أن طلب منهم عاملون في المختبرذلك . وأيضاً تجارب زميله فيليب زيمباردو والتي قام فيها طلاب مثلوا دور السجانين بإهانة وضرب طلاب آخرين قاموا بأدوار السجناء (تجربة سجن ستانفورد).

تلك الدراسات اثبتت عملياً أن أي فرد قادر على ارتكاب فعل متطرف تحت الظروف المناسبة أو حتى الغير مناسبة أيضاً. الأمر كذلك بالنسبة للإرهابيين. من وجهة نظر نفسية فإن معظم المنتمين إلى الجماعات المتطرفة أناس عاديون وليسوا وحوشاً كما نميل الى الاعتقاد، ولا يختلفون عن الأشخاص الذين اشتركوا في تجارب ميلغرام وزيمباردو. كما بين أيضا عالم الأنثروبولوجيا سكوت اتران (Scott Atran)، بأنهم أناس عاديون مستنداً الى تجربته الطويلة في دراسة أولئك القتلة و ما الذي يحول أحدهم الى متطرف، أوضح ذلك اتران في كتابه “الحديث مع العدو”، ” انه ليس عيباً متأصلاً في شخصية الفرد، لكنه تغير للشخصية حسب ديناميكية المجموعة التي ينتمي اليها”.

ديناميكا المجموعة وكاريزما القائد

بالنسبة لميلغرام وزيمباردو، إن ديناميكا المجموعة تفرض التطابق على الفرد ضمن المجموعة وإطاعة القائد او التطابق مع وجهة نظر الأغلبية في تلك المجموعة. خلال نصف القرن المنصرم تطور فهمنا لكيفية سلوك الفرد سواء داخل أو بين المجموعات.  فالنتائج البحثية الحالية مثلت تحدي لمفهوم أن الفرد يصبح أشبه ب"الزومبي" داخل المجموعة أو أنه يتعرض لغسيل الدماغ بسبب الكاريزما المتعصبة. تلك الرؤى توفر نظرة جديدة لفهم نفسية المتطرف والتجارب التي تمهد الطريق له باتجاه التطرف.
خصوصاً ونحن نفهم بأن التطرف لا يحدث من فراغ لكنه يحدث جزئيا بسبب الخلافات بين الجماعات والتي تستغل من قبل المتطرفين. على سبيل المثال، إذا قمنا بتشجيع مجموعة من غير المسلمين بخصوص معاملة المسلمين بخوف وعدوانية، فإن أولئك المسلمين البعيدين عن أي تطرف سابقاً ربما يشعرون بالتهميش ويبدؤون بالاستماع للأصوات المتطرفة الموجودة بينهم. كذلك الحال، إذا قمنا بتشجيع مجموعة من المسلمين على معاملة اشخاص غربيين بعدوانية، فإن أولئك الغربيين سيتجهون الى اختيار قيادات أكثر مجابهة للمسلمين. 

سلوك المجموعة ونفوذ القائد فيها يعتمد بشكل حاسم على عاملين مترابطان: التطابق وعدم التطابق. بشكل خاص، بالنسبة لأي فرد في المجموعة يجب عليه ان يتطابق مع رؤى أعضاء تلك المجموعة، وفي نفس الوقت يجب عليه ان يقطع صلاته مع الآخرين أي من هم خارج مجموعته. ضمن عدد من الدراسات المختلفة، قام بها كل من تاجفل وتورنر، وجد أن المشاركون يميلون لارتكاب الأفعال الجائرة فقط الى الحد الذي  يتطابق فيه عملهم هذا مع الدافع الذي يقودهم للقيام بذلك. وفي نفس الوقت لإثبات عدم تطابقهم وانتمائهم للآخرين الذين يؤذونهم. كلما زادت أهمية الباعث الذي يؤمنون به، كلما زادت تبريراتهم للأفعال التي يقومون بها.

إن تجارب ميلغرام وزيمباردو تمثل دروس موضوعية توضح كيفية خلق هوية انتماء مشتركة يمكن ان تستعمل لتحشيد الناس باتجاه نهايات مدمرة. كما قاموا بإقناع المشتركين في دراستهم بإيذاء الآخرين تحت عنوان تحقيق التقدم العلمي، كذلك يفعل القائد الناجح مع اتباعه بإقناعهم أن ما تقوم به المجموعة يعود بالشرف والنبل عليهم.

كتاب Psychologie لعالما النفس  Philip Zimbardo و R. Gerrig
كتاب الانصياع للسلطة: نظرة خارجية لستانلي ميلغرام
كتاب الحديث مع العدو لسكوت اتران

مواضيع تهمك أيضا
المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق