علم الجرح والتعديل



لما كان الحديث الشريف المصدر الثاني للتشريع الاسلامي بعد القرآن الكريم، والمنهل البياني له في تفصيل الأحكام المجملة التي وردت فيه وتقييد المطلق وتخصيص العام وتأسيس الأحكام التي لم ينص عليها القرآن الكريم، فقد عني المسلمون بحفضه وفهمه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته واستمر هذا الاهتمام عبر الأجيال المتتالية.
علم الجرح والتعديل
علم الجرح والتعديل

لينشأ علم عظيم وضعت له القواعد وأسست له الأسس والضوابط فكان مقياسا دقيقا ضبطت به أحوال الرواة من حيث التوثيق والتضعيف والأخذ والرد وذلك هو علم الجرح والتعديل أو علم الرجال أو علم معيار الرواة، والذي لا نظير له عند أمة اخرى من أمم الارض.

وبداية فإن الجرح في اللغة يعني: التأثير في البدن بقطع سلاح ونحوه وقد استعير في المعنويات بمعنى التأثير في الخلق والدين بوصف يناقضهما وعلى هذا فهو في الاصطلاح يعني وصف الراوي أو الطعن فيه بما يقتضي رد روايته.
أما التعديل في اللغة فيعني التقويم والتسوية واستعير في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دينه القويم وخلقه السوي وهو في الاصطلاح يعني وصف الراوي بما يقتضينه قبول روايته.
وعلى هذا فعلم الجرح والتعديل النظري هو القواعد التي تبتني عليها معرفة الرواة الذين تقبل روايتهم أو ترد، ومراتبهم في ذلك، إما التطبيقي فهو إنزال كل راو منزلته التي يستحقها من القبول وعدمه.

والحقيقة أن الجرح والتعديل لم يكن متاحا لأي أحد، وذلك أن الامر يتطلب من الأهلية والتمكن ما لا يصل اليه إلا القلة، من جهابذة النقاد والمحدثين الذين لديهم اطلاع واسع على الاخبار والمرويات وطرقها ومعرفة أحوال الرواة، من تاريخ ميلاده وبلده وديانته وأمانته وحفظه وسلوكه وشيوخه وتلاميذه، ومقارنة مروياته مع مرويات غيره، وقد قام الائمة بهذا الواجب حسبة لله وصيانة لدينه وحفاظا على سنة نبيه قال أبو بكر ابن خلاد ليحيى بن سعيد ً: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ فقال لأن يكونوا خصمائي أحب إلى من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لي لم تذب الكذب عن حديثي.
فلم يكن الحامل لهم على ذلك أهواء او حظوظ النفس أو غيره، لذلك لم ترهم يجاملون أحدا حتى ولو أقرب الأقربين فوجدنا منهم من يضعف والده وقد سئل علي بن المديني عن ابيه فقال اسألوا غيري فقالوا سألناك فاطرق رأسه ثم رفع رأسه فقال: هذا هو الدين أبي ضعيف.وكان منهم من يضعف ولده وأخاه، قال ابو داود صاحب السنن: ابني عبد الله كذاب وقال زيد بن انيسة: لا تأخذوا عن اخي يحيى.
  
                                                                                        مقالة للأستاذ هشام بوتشيشي

المقال التالي
« Prev Post
المقال السابق
المقال التالي »

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أدخل إيميلك ليصلك جديدنا